السعودية:هل نحن مواطنون حقاً؟

من الانترنت

دعونا نفكر بوضوح، ماذا يعني أن نكون مواطنين في هذه البلاد؟ هل يكفي أن نحتفل بيومٍ وطنيٍّ (يوم 23 أيلول/ سبتمبر) حتّى يُقال بأنّ لدينا وطنا؟ أصلاً ما هو الوطن؟ المكان الذي نأكل ونشرب فيه ونمارس روتيننا اليومي من دون أن نزعج أحداً؟ ماذا لو أزعجنا؟ لو صرخنا؟ رفضنا؟ خرجنا في الشوارع مطالبين بشيءٍ ما؟ ماذا سيحدث؟ هل سيكفّ المكان عن كونه وطناً؟ هل سيُنهي إقامتنا فيه ويطردنا عن بابه؟
جدوا لكم مكاناً آخر تمارسون فيه رذائل عقولكم. أو سيعلّقنا أجساداً على حباله؟ أو ربّما سيكتفي بمحو ذكرنا حتّى لا يسمع بنا أحد، بعيداً في ظلام السجون حيث الرائحة العفنة وأنين التعذيب الذي لن يخرق أية آذان.
من نحن؟ نحن الذين نطقنا بأشياء مخالفةٍ للهوى. طالبنا بأمورٍ ظنّناها طبيعية، وإذ بها تتحوّل إلى كبائر تستلزم عقاباً إلهيّاً، تُنقَل صلاحية إجرائه إلى الرسل الصغار.
طالبنا بكشف مصير المسجونين القدماء، وبمحاكمة من لم يصدر بحقّه بعد تُهمة تجيز إيقافه، ومن لا يملك حقّ الوقوف دفاعاً عن اعترافات كُتبت تحت هول التعذيب والضغط، من يُحكم لكلمة، لخروجٍ إلى الشارع وكأنّه ارتكب الخطيئة الكبرى. جرائم في التظاهر وإثارة الفتن تستدعي أحكاماً لسنين طويلة وتجريدا من حقوق مدنية وإعدامات.
نمر النمر واحدٌ منّا. لم يأتِ من جبال تورا بورا. ليس إرهابياً.
هو لا يعرف كيف يزرع متفجرةً في سيارةٍ ليقتل أناساً أبرياء. لم يعلن جهادا مقدّساً، ولا دعا شباب المملكة إلى الانطلاق إلى الحرب، ولا اتّهم أحداً بالكفر والزندقة، كما لم يُرد أن يطهّر البشرية من مخلوقات وحده قرّر أنّها لا تستحقّ الحياة.
ليس قاتلاً، لم يسلّط سيفه على بشريٍّ قط. لم يمارس أعمالاً إرهابيةً في أي مكان، لم يحز رؤوسا، لم يقطع يداً امتدت إليه يوماً لتسأله عن حاجة.
هذا الرجل ذنبه الوحيد أنّه فكّر بصوتٍ مرتفع، طرح ما لديه بحدّةٍ ووضوح. كان يسكن منطقة نارٍ في القطيف، ربّما لم يُتداول باسمها كثيراً في الإعلام.
وهو خطب في مساجد العوامية (البلدة التي حاولت أن تطلق شرارة الثورة السعودية).
الرجل لم يرد أكثر من أن يُرى، هو ومن يعيش معه على تلك البقعة من الأرض، كبشرٍ ومواطنين، ومن حقّهم أن يعرفوا لماذا يعاملون بازدراء، ولماذا يعتقلون بلا محاكمات ويختفون.
لماذا كلّ ما يطالبون به من حقوقٍ يعدّ انتهاكًا للأمن وإثارة للفتنة.
هذا الرجل سعوديّ، ليس إيرانياً أو عراقياً. أمّه وأبوه ولدا حيث هو الآن، ذنبه الوحيد أنّه شيعيٌ سعودي، وهذا يعني أن مجاهرته بأي كلمة يمكن أن تحوّر وتفسّر.
وأن تكون شيعياً في السعودية ليس أمراً سهلاً، فهو يعني قبولك بالحياة ككائن لا مرئيّ، أنت وأولادك وعائلتك.
يعني أن تسكت على الظلم خوفًا من جرجرةٍ إلى السجن.
يعني أن تكون فرصك دوماً أقل من غيرك. يعني أنّك أول من يُتّهم بالخيانة وبمحاولة زرع الفتنة، فلا اغتصاب إلّا في القطيف ولا مسلّحين ولا سرقة ولا سطو ولا فقدانٌ للأمن إلّا هناك! يعني أن تظلّ محل ريبةٍ وشك، أن تجيب من دون أن تُسأل وأن تطيع من دون أن تنبس بشفة، وأن تسكت لأنّه عليك أن تتقي شر من يتّهمك بالكفر والزندقة ويحلّل سفك دمك.
الشيخ نمر باقر النمر، المواطن في دولة المواطنة ما زال ينتظر حكمه منذ أكثر من عام . يلعب الإعلام مع المحاكم لعبة جسّ نبض الرأي العام. في ساعة يشيعون خبراً عن حكم بـ 17 عاما مع غرامات، وساعة يهوّلون بالإعدام. ربما تمر أعوام كثيرة قبل أن يكتشف السعوديون الشيعة معنى المواطنة. حتّى ولو نصّبت الحكومة لهم وزيراً، ولو افتتح لهم أمير منطقتهم مهرجاناً. نمر النمر ليس وحده هناك، يوجد علي النمر ورضا رابح وفاضل المناسف. وهؤلاء دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى إعادة النظر في محاكمتهم، وعابت على السعودية «المحاكمات غير العادلة للمتظاهرين» والتي «لا تزيد عن قشرة قانونية تستر قمع الدولة للمطالب الشعبية بإنهاء التمييز طويل الأمد». ودعت «مجلس القضاء السعودي إلى إعادة النظر فوراً في هذه الأحكام وإلغاء تلك التي تكشف عن انتهاكات واضحة لسلامة الإجراءات».
* باحثة اجتماعية من السعودية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: