سر “داعش” وتقصير “الإسلام المعتدل”

أسئلة كثيرة يثيرها تأسيس الإئتلاف الدولي ضد “داعش”. فإنشاء دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام فاجأ الجميع وهو في حسابات المؤسسين مدخل لخلافة إسلامية واسعة ولفتوحات عسكرية واستعادة تاريخ سابق. وبالتأكيد “داعش” لم تأت من “فراغ”. تعثر المشروع الأميركي في العراق وأفغانستان كان من الأسباب. فشل سياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في مواجهة الإرهاب كانت من الأسباب. تعثر التجربة الديمقراطية في العالم العربي ونشوء الدول البيروقراطية وفساد السلطة كان في أساس الإستجابة لفكر “داعش” في أوساط الشباب المسلم المهمش سواء في الدول الأم أو في مجتمعات الإغتراب.
ومن الأمور التي ساعدت على “ازدهار” “داعش” أنّ “الربيع العربي” لم ينتج “حاملة” في المجتمع المدني لقيم الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وذلك بسبب فشل الأحزاب وفقدان البرامج السياسية ذات المضمون الإجتماعي والتي يمكن أن تعبّر عن طموحات الطبقة المتوسطة التي تضررت سابقا ولم تبلور شخصيتها في “الربيع المفترض”، فتركت الساحة عمليا لتنظيم “الإخوان المسلمين” الأكثر تنظيما والذي بمرونته التكتيكية أبدى استعداده للقبول بنتائج صناديق الإقتراع فربح في تونس وليبيا ومصر قبل أن يخسر هذه الأخيرة على يد المؤسسة العسكرية برئاسة عبد الفتاح السيسي.
خسارة “الإخوان المسلمين” لمصر شكلت انتكاسة فعلية لهم ليس في مصر وحدها ولكن في سوريا وتونس وليبيا والعراق وخصوصًا أنّ هذه “السلفية” أخذت سلفا على “الإخوان المسلمين” رهانها الخاسر على التغيير السلمي للأنظمة… واعتمدت “السلفية الجهادية” أساسا على فكر مؤسس “الإخوان” حسن البنا وسلفه السيد قطب حول طبيعة تأسيس “الدولة الإسلامية” استنادا لفكرة “الحاكمية بالله” وتطبيق القوانين الإلهية على الأرض. وهذا ما استتبع انتشار التنظيمات الإسلامية المتطرفة وحتى استدراج جزء من “حركة الإخوان” إلى ساحة السلاح وإلى التطرف.
لا شك أنّ تراجع المشروع القومي العربي كان بداية لاعتبار “المشروع الإسلامي” كبديل خصوصا في ظل انحسار اليسار والفكر الماركسي عموما… لكن تعدد التنظيمات الإسلامية يكشف خلافات مستحكمة بينها باعتبار كل منها يرى نفسه الوحيد المؤهل لتطبيق “حاكمية الله” على الأرض… وهذا ما يفسر الخلاف بين “القاعدة” و”داعش” وبين الأخيرة و”النصرة”…

إنما شئنا أم أبينا فكرة “الخلافة الإسلامية” تستهوي الشباب وخصوصا أن بناءها يأتي في سياق المواجهة مع الغرب وتحت عناوين “النص القرآني”. واتهام “داعش” بأنها حركة تكفيرية هو تفسير فيه الكثير من التبسيط من جانب من يطلق على نفسه “الإسلام المعتدل”. فإلى الآن لا يعطي هذا “الإسلام المعتدل” تفسيرا معقولا لظاهرة القتل والتكفير. فـ”داعش” تستند إلى “النص القرآني” على طريقتها. ولا نقاش لهذا النص ولا على تفسير مخالف لما تدَّعيه “داعش”. وهنا جوهر المشكلة سواء في خطاب “حزب الله” وايران أو في الخطاب السني والوهابي… ولذلك من غير المتوقع أن تنكفئ “داعش” سيما وأنها في المناطق التي تديرها تعطي اهتماما ملحوظا لأمور الناس وتدبير حياتهم وإدارة مصائرهم وشؤونهم الإجتماعية. وفي هذا السياق التقصير مزدوج من الغرب ومن “دعاة الإسلام المعتدل”. الغرب يقصر مقاربة “داعش” على العمل العسكري البحت. و”دعاة الإسلام المعتدل” يقصرون المواجهة على الشعارات “تكفير… إرهاب” من دون أن يعطوا لفرضية الإسلام المعتدل معنى ملموسا بإبراز وجه التسامح والإنفتاح والإعتراف بالآخر من جانب الدين الحنيف.
باختصار ظاهرة “داعش” ليست عابرة كما يتخيل البعض. وقد يكون على الساحة اللبنانية وحده مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف الدريان الذي أعطى بعض الأجوبة على “التهديد المفترض” لـ”تنظيم الدولة الإسلامية” عندما دعا إلى حوار مسيحي – إسلامي وإلى التعاون بين رجال الدين المتنورين وبين النخب في المجتمع المدني وإلى مواجهة تقصير الدولة اللبنانية في مجال الخدمات والكهرباء والماء وفراغ السلطة. وكلام المفتي هذا يفترض تعزيز الإتجاه الإسلامي المنفتح على الآخر كما يفترض تقديم وإبراز النص الذي يحول دون التكفير ومحاسبة النوايا.

في كل الأحوال ثمة مسؤولية ملقاة على عاتق الأزهر والنجف وقم. وهذا يحتاج إلى جهد في الأيديولوجيا الإسلامية وإلى تغليب “المشترك” الذي يوفره النص القرآني. فـ”داعش” تستند إلى مثل هذا “النص” الذي يفترض توضيحا و”شرحًا” وتفسيرا من خصومها… وإلا فإنها هي الرابحة في نهاية المطاف.
أخيرا مواجهة التكفير تفترض دورا للإعلام في الإضاءة على معنى “الإرهاب” و”التكفير”. وهنا دور النخب الفكرية التي لا تعطى أي مساحة فعلية في الإعلام. كما أن المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والالكترونية والمكتوبة يمكنها أن “تستفز” رجال الدين المتنورين ليدلوا بدلوهم حول مضامين الإسلام المعتدل أو في إبراز القواسم المشتركة بين الأديان والمذاهب. فنحن نحتاج أكثر ما نحتاج إلى إعادة “إحياء” ما كان يقوم به السيد الإمام موسى الصدر والمطران جورج خضر والأب يواكيم مبارك والعلامة صبحي الصالح والدكتور حسن صعب والذين تبنوا فكرة رائعة للإمام الصدر عنوانها “الأديان واحدة عندما نلتقي في الله” باعتبار أن غاية الدين هي خدمة الإنسان كما يشاء ذلك الإله الواحد.
* رئيس المجلس الوطني للإعلام

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: