الغارات على سوريا: عداء علني للأسد وتحالف ميداني معه

نفذت الولايات المتحدة وعيدها ومخططها، واستفاقت سوريا الثلاثاء على سلسلة غارات جوية وضربات صاروخية هزّت أصواتها أرجاء البلاد. ثلاث موجات من الغارات بدأت منتصف ليل 22 ايلول الفائت، افتتحتها الولايات المتحدة بـ40 صاروخ توماهوك على مراكز لمجموعة خراسان في حلب (1) وعلى مقرات لـ”داعش” في الرقة. وأتت الموجة الثانية بعدها بقليل وشهدت مشاركة مقاتلات أميركية إلى جانب مقاتلات من السعودية والامارات والاردن والبحرين واستهدفت مجمّعات وآليات لـ”داعش” في شمال سوريا. أما الموجة الثالثة فضمّت أيضًاً مقاتلات أميركية وعربية من الدول المذكورة وركزت هجماتها على مراكز “داعش” في شرق سوريا. وذكرت بعض وسائل الاعلام الاميركية أنّ الغارات شملت أيضًاً مراكز لـ”جبهة النصرة” المصنفة إرهابية.
ووفق ما صرّح به مسؤولون رسميون في البنتاغون، فإنّ عدد القنابل والصواريخ التي ألقيت في الغارات الثلاث التي شنت في ليلة واحدة، يعادل ما ألقته الولايات المتحدة منذ بدء هجماتها على داعش في العراق.
انتظر الجميع الموقف السوري الرسمي، فأتى مرحّباً بالغارات وبنتائجها كونها استهدفت “داعش”، حتى أنه طالب بتنفيذ القرار الدولي الرقم  2170 (2)، وأكدت الخارجية السورية أنها على علم بالغارات بعد ان أبلغها بها الجانب الاميركي. شكك الكثيرون في صحة بيان الخارجية السورية إلى أن قطع البيت الابيض الشك باليقين حين اعترف صراحة بأنّ أميركا أبلغت الحكومة السورية بالغارات قبل حصولها (3) إنما دون التنسيق معها.
من المفهوم أن تقوم اميركا بابلاغ الحكومة السورية بالغارات وذلك تفادياً لأيّ استهداف من قبل المضادات السورية للطائرات، تماماً كما أبلغت الجانب الاسرائيلي بالغارات أيضاً تفادياً لاستهداف الطائرات العربية المشاركة.
ومن المفهوم أيضاً أن ترحّب الحكومة السورية بالغارات كونها استهدفت عدواً يعمل من الداخل لاسقاطها. ووفق سياق وتسلسل الاحداث، فإنه من الطبيعي أيضاً أن يطبّق المثل القائل “عدو عدوي هو صديقي”. بالتالي، فإنّ أميركا والدول الخليجية باتت صديقة للنظام السوري، فهي لم تشارك في غارات تهدف إلى اسقاطه، وهي تعمل على إضعاف أعدائه من الداخل، وهي لم تقترب من الاماكن التي يسيطر عليها الجيش السوري النظامي.
واستطراداً، بات من الممكن فهم سبب التراجع الكبير في التنديد بما يقوم به الرئيس السوري بشار الاسد و”حزب الله” في سوريا منذ إعادة انتخاب الاسد رئيساً، فقد خفت الأصوات التي كانت على مدى أكثر من ثلاث سنوات تعلو يومياً مهاجمة النظام السوري وتدعو إلى إسقاطه وتدين وجود “حزب الله” في سوريا.

أما اعتراض كلّ من إيران وروسيا على الضربات فهو مبدئي فقط لوجودهما خارج التحالف الدولي ضد “داعش”، فلا يمكن للنظام السوري اتخاذ قرار بهذا الحجم، كما لا يمكن للولايات المتحدة والدول العربية شن الغارات دون التنسيق مع ايران وروسيا وبرضى صيني، والكل يذكر ما كان للموقف الروسي المؤيد للاسد من تأثير على احباط القرارات والمواقف الدولية.
ويمكن إقصاء سيناريو الضربات عن طريق الخطأ التي يمكن التذرع بها لضرب مراكز للجيش السوري، بعد أن “تفاخر” البنتاغون بقصفه مراكز محددة بدقة لمبان ومقرات لـ”داعش” دون التعرض لمبان او طبقات اخرى، كما أنّ المراكز السورية الرسمية بعيدة نسبياً عن المراكز المستهدفة.
سبب آخر يدعو أميركا إلى إبلاغ الادارة السورية بالغارات، وهو أنّ سوريا لا تزال عضواً في الامم المتحدة، وبالتالي إنّ الغارات عليها تعتبر انتهاكاً لسيادتها، مع حرص اميركي على عدم تكرار مسألة التفرد بالحروب على غرار ما فعلته في العراق عام 2003، كما أنّ الذرائع التي أرسلتها واشنطن إلى الامم المتحدة لتبرير الغارات وتضمينها تلبيتها دعوة العراق للدفاع عنه كسبب شرعي لضرب سوريا، (تسمح الامم المتحدة لدولة بمهاجمة دولة أخرى إذا شكلت خطراً على وجود الدولة المعنية) لا ترقى الى المنطق بصلة، خصوصاً وان المسؤولين العراقيين على تواصل مستمر مع الرئيس السوري.
وبين هذا وذاك، يبقى السيناريو الأقرب إلى المنطق، وهو أنّ أميركا والدول الخليجية وجّهت دعوة إلى الرئيس الاسد للعودة الى طاولتهما، وهو أمرٌ لا يعني بطبيعة الحال تخلي الاخير عن ايران وروسيا، بحيث لا يكون حليفاً على الطاولة انما لم يعد من الممكن اعتباره عدواً، بل اقرب الى امر واقع لا مفر من التعامل معه.
تلاقت المصالح اذاً، وقد نشهد أعداء الامس على طاولة واحدة، في ظل التقارب الايراني- الخليجي الذي بات يلوح في الافق. فهل أخرجت الضربات على سوريا رئيسها من “قفص الاتهام”، أم أنّ مشروع التقسيم يسير بخطى ثابتة وبغطاء اقليمي-دولي؟

(1) مجموعة خراسان هي منظمة ارهابية مرتبطة بتنظيم “القاعدة”، وتعتبر الولايات المتحدة انها تهدد مصالحها. ويعتقد ان المجموعة تخضع لقيادة الكويتي محسن الفضيلي وهو مطلوب في الولايات المتحدة وتعتبره واشنطن احد القريبين من اسمة بن لادن، واحد القلائل الذين عرفوا بهجمات 11 ايلول قبل حصولها. وتعرض الولايات المتحدة مبلغ 7 ملايين دولار من اجل معلومات تؤدي الى اعتقال الفضيلي.
(2) قرار صادر عن مجلس الامن الدولي بتاريخ 15/8/2014، يركز على “اتخاذ تدابير وطنية لقمع تدفق المقاتلين الأجانب الإرهابيين وتقديمهم للعدالة والتعامل مع المعرضين لخطر التجنيد للحد من السفر إلى سورية والعراق”.
ويؤكد “منع البيع المباشر أو غير المباشر للأسلحة والمواد ذات الصلة إلى تنظيم داعش وجبهة النصرة والأفراد والجماعات المرتبطين بها”.
(3) في 23/9/2014، اكد بنجامين جاي رودس (نائب مستشارة الامن القومي الاميركي سوزان رايس) في تصريح على متن الطائرة الرئاسية الاميركية التي اقلت الرئيس باراك اوباما من واشنطن الى نيويورك، ان الولايات المتحدة ابلغت سوريا- بواسطة سفيرتها لدى الامم المتحدة سامنثا باور التي تحدثت مع نظيرها السوري- بالغارات الجوية قبل حصولها خلال الايام الماضية، وشدد على انه لم يكن هناك اي تنسيق بين الحكومتين الاميركية والسورية في هذا المجال.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: