المحللون السياسيون العرب وهوس الـ Happily Ever After

الجمل ـ محمد صالح الفتيح: في القصص الخيالية، وفي الأفلام المقتبسة عنها، حيث يعيش الأبطال الأخيار صراعاً مع الأشرار، ينتهي بالطبع بانتصار الأبطال دوماً، تكون النهاية هي أن يكافئ البطل بأن يعيش، لوحده أو مع حبيبته البطلة، بسعادة وهناء، أو كما تقول أفلام ديزني، يعيشون في الـ Happily Ever After، التي يترجمها العرب “بثبات ونبات” . كانت إحدى إبداعات شركة ديزني هي أنها صورت في بعض أفلامها الـ Happily Ever After على أنه عالم قائم بحد ذاته، له حدوده وسكانه ونواميسه الخاصة، وليس مجرد حالة نفسية أو مرحلة زمنية. هذا العالم، وفق توصيف شركة ديزني، هو المكافأة الحتمية للأبطال الأخيار على جهدهم وعلى انتصارهم على الأشرار.


لاريب أن مثل هذا العالم، كما تصفه ديزني وكما تصفه القصص الخيالية، يسيل لعاب الحالمين والطامحين، ولكن، بدون ريب، لن يتم الحصول عليه بسهولة. ولكن ماعلاقة الـ Happily Ever After بالمحللين السياسيين العرب؟ الرابط في الحقيقة هو ملاحظة الأسلوب الذي يفسر وفقه كثير من المحللون العرب حوادث العالم من حولهم بحيث تكون نتيجة الأحداث، وفق تحليلاتهم، هي الوصول إلى الـ Happily Ever After الذي يحلم به المواطن العربي المعاصر الذي مافتئ يعيش أزمات متتالية، ومستمرة، منذ الثورة العربية الكبرى منذ حوالي قرن من الزمن؛ كثير من المحللين العرب يستمر في تكرار مثل هذه التحليلات حتى لو كانت تنافي المنطق أو قد ثبت عدم صوابها في الماضي. تصلح الأزمة السورية هنا كمثال صارخ على هذا النمط من التحليل. أتذكرون أعزائي القراء كم مرة تسابق المحللون على إعلان نهاية الأزمة السورية أو اقترابها من نهايتها، وربطوها بحدث هنا أو حدث هناك، كإعادة انتخاب أوباما، أو استقالة بندر، وضربوا لذلك مواعيداً وعدادات تنازلية ذات مئة يوم أو مئة ساعة؟ هناك مئات الأمثلة، في الحقيقة، ولكن لو قررنا الاكتفاء بأمثلة الشهرين الماضيين، لتوفير الوقت ولضيق المساحة، لقفز إلى ذهننا فوراً المحللون الذين تسابقوا في الحديث عن بنود التفاهم السعودي الإيراني وماقد يخرج عنه من انتخاب رئيس للبنان وحل للأزمة السورية وحل للأزمة النووية الإيرانية. تفتقت أذهان المحللين العرب عن كل هذا، وأكثر، فقط لأن سعود الفيصل قد دعا محمد جواد ظريف لزيارة الرياض، بالرغم من أن وزارة الخارجية الإيرانية كانت قد ذكرت صراحة أنها سمعت بهذا الدعوة من الإعلام فقط، ولكن لايهم فهؤلاء المحللون كان لديهم الخبر اليقين الذي لاتعرفه الخارجية الإيرانية نفسها عن الاتفاق التي ستتوصل هي إليه مع السعوديين!
تابع المحللون أنفسهم لأيام طويلة يقدمون تصوراتهم، وبعضهم لمح، أو ذكر صراحةً، أنه بحوزته تسريبات من مصادر موثوقة، حول تفاصيل التفاصيل في التفاهم السعودي الإيراني التاريخي، ولكن ماذا حصل فعلاً؟ استمرت الأزمة السورية وازدادت حدة، وخصوصاً في الجبهة الجنوبية التي يفترض أن السعودية تحرك، عبر الأردن، بيادقها هنا، وانفجرت الأزمة العراقية ووقف الشرق الأوسط على ساق واحدة يوم 10 حزيران عندما سقطت نينوى وأصبحت بغداد تحت تهديد الدواعش الذين تولت وسائل الإعلام السعودية عملية تنظيف صورتهم وتلبيسهم ثوب الثوار العراقيين الوطنيين اللاطائفيين. والواضح أن مثل هذه الأحداث تمثل هجوماً سعودياً صريحاً، وعنيفاً في الحقيقة، على إيران في العراق، الذي قد يجوز أن يوصف بأنه عقر دار الحلف التي تطمح إيران لبناءه، أو على الأقل هكذا تنظر إليه السعودية. ولكن هل غيّر هؤلاء المحللون تحليلاتهم؟ للأسف لم يفعلوا!
خرج بعض هؤلاء المحللون، مرة أخرى، للقول بأن مايحصل في العراق سيكون بداية للتفاهم الأميركي الإيراني باعتبار أنه في العراق يمكن لواشنطن وطهران أن تصطفا خلف شخص المالكي الذي يلاقي قبول الطرفين وأن مثل هذا الاتفاق سيمهد لحل الأزمات العراقية والإيرانية، وبالطبع، السورية أيضاً. هناك أيضاً أمثلة أخرى حديثة كثيرة، لعل أفضلها التصورات التي قدمها نفس هؤلاء المحللون لماقد يفعله جمال عبد الناصر الجديد ما إن يتولى سدة الرئاسة. تجاهل هؤلاء المحللون مشهد تقبيل السيسي لرأس الملك عبد الله مظهرين الانشغال بالأزمة العراقية المستجدة.
الشيء المؤسف هو أن مايفعله هؤلاء المحللون لايختلف أبداً عن مايفعله محللو الطرف الآخر، طرف المحللين المتمولين سعودياً وقطرياً وحريرياً، الذين يطلقون تحليلاتهم مدعيين امتلاكهم مصادر مطلعة ووثيقة الصلة بحزب الله وبالسيستاني وبخامنئي، وطبعاً، بكل القيادات المؤثرة في سورية، وتراهم يفسرون كل عطسة تحصل في سورية على أنها البداية الحتمية لتداعي النظام السوري. إذا ما اتفقنا أن ما يفعله أولئك المحللون هو عبارة عن ضحك على عقول جمهورهم فلماذا يتم تبني نفس الأسلوب مع جمهورنا؟ هل نحن مفلسون إلى هذه الدرجة؟ أو عاجزون عن قراءة مايحصل حولنا حتى نلجأ إلى مثل هذه الأساليب؟ حتى وإن بدا أن الخطوب قد ادلهمت من حولنا وأن المستقبل قاتم فلا شيء يبرر اختلاق الروايات والضحك على الذقون وعلى من يفتقد في نفسه القدرة على قراءة الواقع ورؤية الأمل فلينظر إلى الجيش السوري وجنوده وشهداءه. خمسون ألف شهيد فقير من هذا الجيش لايمكن أن يكونوا على خطأ ولا يمكن أن يكونوا قد استشهدوا لأنهم صدقوا رواياتكم وتطميناتكم. هم استشهدوا لأنهم قرروا أن يحولوا الحلم الجميل إلى واقع. ودمهم هو صدقهم وكذبكم مردود عليكم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: