“رجال داعش السود” والحريق القادم

دعونا ندخل في صلب الموضوع. دعونا نتابع مجموعة أزياء “زارا” الصيفية لهذا العام، كاملة مع البنادق الحربية الحديثة، وخفافات “نايكي” البيضاء الجديدة، وسيارات “التويوتا” البيضاء وهي تعبر الصحراء السورية- العراقية؛ الجهاديون العرصات في أزيائهم السوداء.

كان يا ما كان، في قريب الأوان، كانت الحكومة الأمريكية تساعد “الإرهابيين الطيبين” فقط (في سوريا)، عوضاً عن “الإرهابيين الأشرار”. وقد كان ذلك صدىً لزمن أبعدَ قليلاً عندما كانت تساند “الطالبان الطيبين” وليس “الطالبان الأشرار”.

وقد كان ذلك صدىً لزمن أبعدَ قليلاً عندما كانت تساند “الطالبان الطيبين” وليس “الطالبان الأشرار”.

إذاً ماذا يحدث عندما يبدأ ما يُسَمون “خبراء” “مؤسسة بروكينغز” ينعقون بأن “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (“داعش”) هي حقاً المنظمة الجهادية الأسوأ على سطح هذا الكوكب (فقد نبذتهم القاعدة، في نهاية المطاف)؟ فهل هم سيؤون لهذه الدرجة بحيث أصبحوا الآن، بفضل المصطلحات الجديدة الموروبة، الشيء الاعتيادي الجديد؟

منذ السنة الماضية، تبعاً لمصطلحات الحكومة الأمريكية الجديدة، “الإرهابيون الطيبون” في سوريا هم عصابة “جبهة النصرة” المتفرعة عن “القاعدة” وعصابة المشؤوم بندر بن سلطان (الملقب “بندر بوش”) “الجبهة الإسلامية” (المتفرعة أصلاً عن مجموعات “جبهة النصرة”). ومع ذلك أعلنت كل من “جبهة النصرة” و “داعش” ولاءَها لأيمن “الدكتور” الظواهري، هذه الهبة الثمينة التي لا تزال تؤمن الغطاء للقاعدة.

يبقى لدينا السؤال حول نوايا “رجال داعش السود”، هذه القوات الجائحة الواعية لخطواتها الاستعراضية والقاطعة للرؤوس والمشكلة من السنة القبليين المتشددين و “بقايا” البعث … .

نقاطع هذه المشية الاستعراضية الصحراوية لنعلنَ أنهم لن يغزو بغداد. ومن جهة أخرى، فهم مشغولون ببَلقنة سوريا والعراق، وتقسيمهما في نهاية المطاف. وهم ليسوا نتاجَ “سي آي إيه” (كيف فات “لانغلي” أن تفكر في ذلك؟)؛ إنهم في الحقيقة الأبناء الحرام لأموال (المشؤوم) بندر بوش.

حقيقة أن “داعش” غير ممولة من قبل “لانغلي” [مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية] لا تعني أن أجندتها الاستراتيجية مختلفة عن أجندة “إمبراطورية الفوضى”. ربما ترسل إدارة أوباما بعض جنود المارينز لحماية حمامات السباحة التابعة لأكبر سفارة (بحجم الفاتيكان) على كوكب الأرض، بالإضافة إلى بضعة “مستشارين عسكريين” بهدف “استعادة” الجيش العراقي المتفكك. لكن هذه نقطة من “الكولا زيرو” في الصحراء العراقية الغربية. ليس هناك أي مؤشر على أن أوباما سيقوم بتفويض أي “دعم حركي” ضد “داعش”، على الرغم من أن بغداد قد أعطت الضوء الأخضر.

حتى لو قرر أوباما “القذف” (“عمل عسكري موجه”)، و/أو حضرَ لائحة إعدامات جديدة تنفذها طائراته المسيَرة (“درونز”)، فلن يكون ذلك سوى انحراف بسيط وتافه. المهم في الأمر هو أن أجندة “داعش”/”بيلتوي” تبقى هي نفسها: تخلص من رئيس الوزراء المالكي (ليس من باب الصدفة أنه الاسم الأكثر تداولاً في الإعلام الرسمي الأمريكي)؛ قلص الدور السياسي/الاقتصادي الإيراني على العراق؛ اعمل على إزالة “سايكس- بيكو”؛ ثم شجع على “ولادة” (هل تذكرون كوندوليزا اللذيذة؟) مناطق يبابٍ شاسعة متاخمة للسلطة المركزية وخاضعة لسيطرة السنة القبليين المتشددين.

بالنسبة إلى “إمبراطورية الفوضى”، “داعش” هي العامل المحرض الذي هبط من عند الله؛ الأداة المقنعة المثالية للمحافظة على “الحرب الكونية على الإرهاب” في وضعية “الحرية الدائمة إلى الأبد”.

الكريما في الكعكة (الذائبة) هي أن آل سعود أنكروا رسمياً دعمهم لتنظيم “داعش”. إذاً هذا يعني أنه صحيح، حتى ولو على جثة بندر بوش. تابعوا تصريحات آل سعود وآل ثاني حول “داعش”: ليسوا مسؤولين عما يحدث في العراق. فكل ذلك من تنظيم “بقايا” البعثيين.

المزيد من تغيير الأنظمة

والآن ننتقل إلى الزاوية الإيرانية الشاملة، لأن كل هذه الدراما – كالعادة – هي في معظمها حول “احتواء” إيران. علينا أن نتقبلَ ما يقولونه لكي نؤكد هذه القصة؛ نفس الثرثرة القديمة حول “الدلائل” التي تشير إلى أن “إيران وحلفاءها السوريين” قد “تعاونوا” مع “داعش”  وأن بشار الأسد متورط في “علاقة عمل” مع “داعش”.  ولا تنسوا عمليات التخويف؛ القادم هو “إيران نووية” ضد “العالم العربي السني” تبقى فيه “القاعدة” البعبعَ الكبير.

الدعاية التي يروج لها المحافظون الجدد ضد الحكومة الأمريكية لتحالفها مع طهران ضد “داعش” هي، مرة أخرى، نوع من التضليل الإعلامي.

اقتربَ قائد قوات “الباسيج” الإيرانية، الجنرال محمد رضا نكودي، من عين الحقيقة عندما قال، “المجموعات التكفيرية والسلفية الموجودة في دول إقليمية مختلفة، وخاصة في سوريا والعراق، تتلقى الدعم من الولايات المتحدة”، وإن “الولايات المتحدة تستغل الإرهابيين التكفيريين لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين.” وينطبق الشيء نفسه على ما قاله “رئيس المجلس” علي لاريجاني؛ “من الواضح أن الأمريكيين والبلدان الذين يدورون في فلكهم قد قاموا بهذه التحركات … لقد تحول الإرهاب إلى أداة تستخدمها القوى العظملا لتحقيق أهدافها.”

ما يعني هذا كله هو أن طهران قد أدركت حقيقة استعراض “داعش” الاحتفالي كما هي: مصيدة. وفوق ذلك، فهم مقتنعون أن واشنطن لن تتخلى عن صبيانها من آل سعود. الترجمة: واشنطن باقية على التزامها بالمدرسة القديمة للحرب الكونية على الإرهاب. ما تدعمه إيران، بشكل عملي، – مع تواجد المستشارين على الأرض – هي مجموعات كثيرة من الميليشيات الشيعية التي يتم نشرها لحماية بغداد وخاصة المواقع المقدسة الشيعية، النجف وكربلاء.

في هذا الوقت، يصر المحافظون الجدد الأحياء- الموتى الأمريكيون على اجترار أسطوانتهم المفضلة: المالكي المالكي المالكي. لا علاقة لشيء مما يحدث في العراق اليوم بمبدأ “الصدمة والرعب” الأمريكي، ولا بغزو واحتلال وتدمير معظم البلاد، ولا بأبو غريب، ولا بالحرب الطائفية الضروس التي أذكت واشنطن لهيبَها (“فرق تسد”، مرة أخرى وأخرى). المالكي هو المسؤول الوحيد. ولذلك يجب إسقاطه. فعندما تفشل جميع المحاولات – المدعومة بمليارات الدولارات – ينكفئ المحافظون الجدد إلى مقولتهم الأصلية: تغيير النظام.

التحرك نحو إقامة “سُنيستان” المتشددة

هناك شيء يدعو إلى الريبة بخصوص زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي، الملقب بأبي دعاء، المولود في سامراء في سنة 1971، من “بقايا” صدام والأهم أنه سجين سابق لدى الحكومة الأمريكية في “كامب بوكا” من 2005 وحتى 2009، والزعيم السابق للقاعدة في العراق. ليس سراً في بلاد الشام أن “رجال داعش السود” قد تدربوا في سنة 2012 على يد مدربين أمريكان في قاعدة سرية في “الصفوي”، في تلك الصحراء الشمالية لتلك الكذبة المقنعة بهيئة بلد، الأردن، بحيث يقاتلون لاحقاً بصفتهم “ثواراً” يباركهم الغرب في سوريا.

البغدادي هو الذي أرسل مجموعة من “الرجال السود” لتأسيس “جبهة النصرة” (“الإرهابيون الطيبون”، هل تذكرون ذلك؟) في سوريا. من المحتمل أنه انفصلَ عن “النصرة” في أواخر سنة 2013، لكنه يبقى مسيطراً على أرض صحراوية شاسعة تمتد من شمال سوريا إلى غرب العراق. إنه أسامة بن لادن الجديد (الهبة التي تغدق العطاء باستمرار)، أمير الخلافة الصحراوية الإسلاموية المطلق في قلب بلاد الشام.

انسوا أوباما وهو يرتدي “الكوش الهندوسي”؛ فهذا “سيكسي” أكثر بكثير:

“سُنيستان” متشددة تقع بين شمال العراق الكردي والجنوب الشيعي، تسبح في النفط، وتمتد حتى حلب والرقة ودير الزور في سوريا، بين النهرين – العاصي والفرات – عاصمتها الموصل، تستعيد دور أسلافها المحوري بين النهرين التوأمين والبحر المتوسط. سايكس – بيكو: موتا في غيظكما.

من الواضح أنه ما كان بمقدور البغدادي وحده أن يقود مشروعاً بهذه الضخامة. وهنا يأتي مساعده الرئيسي من “بقايا” صدام، المنظر البعثي الاستثنائي عزت ابراهيم الدوري، الذي شاءت الصدف أن ينحدر من الموصل نفسها. ثم يأتي “المجلس العسكري العام للثوار العراقيين” – منظمة في غاية “السرية” تتقدم بنقلات قصيرة وسريعة، مثل تركيبة جهنمية مكونة من لايونيل ميسي ولوي سواريز، في كافة الأجهزة الاستخبارية الغربية، بما في ذلك القلعة الأورويلية “وكالة الأمن القومي” الأمريكية.

ولكن ليس تماماً، لأن عرابَ هذا الائتلاف الداعشي- البعثي للراغبين هو بندر بوش نفسه – بينما كان قائماً على رأس عمله، مدعوماً من رئيس الوزراء التركي إيردوغان. لا يمكن تحميل “بيلتوي” مسؤولية ذلك كله.

تمكن “المجلس العسكري العام” من حشد كافة “بقايا” المقاومة العراقية القديمة النشطة في العقد الأول من هذا القرن، ومشايخ العشائر، ومزجهم مع “داعش”، وتأسيس ما يمكن تسميته “جيش المقاومة” – أولئك الجهاديون العرصات في أزيائهم السوداء وسيارات التويوتا البيضاء، الذين تحولوا إلى أسطورة تقوم بأعمال إعجازية مثل التخفي عن شبكة الأقمار الصناعية الكثيفة التي تديرها “وكالة الأمن القومي” الأمريكية.

معاصرون يتبعون الموضة، حتى أنهم فتحوا صفحة على الفيسبوك جاءها أكثر من 33,000 “لايك”.

البلقنة أو الفشل

في هذه الأثناء، تتقدم أجندة “إمبراطورية الفوضى” بشكل حثيث. فالبلقنة أصبحت حقيقة واقعة. ناشد وزير الخارجية العراقي (الكردي) قوات “البشمركة” الكردية من أجل “التعاون” مع الجيش العراقي لحماية كركوك الغنية بالنفط من “داعش”. وسرعان ما قامت “البشمركة”، ولأهداف عملية، بضم كركوك. “كردستان الكبرى” تنادي.

أطلق آية الله السيستاني، ولأهداف عملية أيضاً، الجهاد الشيعي ضد “داعش”. ومن جهته، قام زعيم “الهيئة الإسلامية العراقية العليا”، السيد عمار الحكيم، بإحياء المجموعة شبه العسكرية “كتائب بدر” والمقربة جداً من “الحرس الثوري الإيراني”. وهؤلاء عرصات بامتياز لا يمكن لعرصات “داعش” مواجهتهم. ويطلق مقتدى الصدر “كتائب السلام” لحماية المدن المقدسة الشيعية والكنائس المسيحية أيضاً. قواعد الحرب الأهلية.

وفي هذه الأثناء، في “مملكة أوز”، سيتمكن البنتاغون بالتأكيد من سحب تمويل إضافي لحملته الصليبية لإنقاذ الحضارة الغربية من براثن الرعب الإسلامي. ففي نهاية المطاف، هناك أسامة بن لادن جديد (مقنَع على غرار متزلجي الجليد) يصول ويجول في المنطقة.

على الرغم من أن غالبية العراقيين يرفضون البلقنة، سوف يستمر السنة باتهام الشيعة بأنهم بيادقُ إيرانية، وسوف يستمر الشيعة باتهام السنة بأنهم الطابور الخامس التابع لآل سعود. وسوف تستمر “داعش” في تلقي الأموال من “المتبرعين” السعوديين الأثرياء. ستستمر الحكومة الأمريكية بتسليح السنة في سوريا ضد الشيعة، وربما تقوم بتوجيه “ضربات عسكرية موجهة” خفيفة لصالح الشيعة وضد السنة في العراق. أهلاً بكم في عالم “فرق تسد” مرة أخرى وبشكل أكثر بشاعة.

تُرجم عن (“إيشا تايمز”، 20 حزيران/يونيو 2014)

الجمل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: