سيد هيغ، مارأيك بإنهاء اغتصاب بلدان بأكملها ؟

اختتمت قمة دامت أربعة أيام بعنوان “إنهاء العنف الجنسي في النزاعات” أعمالها  هذا الأسبوع في لندن، جيث قام وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ والممثلة الهوليوودية آنجيلينا جولي باستنفارالدعم الدولي لضحايا الاغتصاب في الحروب.

الدموع، والابتسامات، والقبل، وفلاشات المصورين أوحت بتحقيق ضربة قوية لحقوق الإنسان – عبر مزيج من الدبلوماسية البريطانية الصلبة وقوة النجومية الهوليوودية.

“هذه واحدة من أكبر الجرائم الجماعية في القرنين العشرين والواحد والعشرين، للأسف،” قال هيغ في المؤتمر الذي حضره ممثلو أكثر من 100 بلداً.

“والمشكلة تزداد سوءاً – الاغتصاب في المناطق الحربية، والذي يتم استخدامه بشكل ممنهج ومتعمَد ضد السكان المدنيين،” أضاف رئيس الدبلوماسية البريطانية.

يدعو هيغ ومرافقته الحائزة على جائزة الأوسكار إلى اتخاذ إجراءات قضائية خاصة لملاحقة المغتصبين في المناطق الحربية.

التركيز على العنف الجنسي ضد المدنيين في النزاعات يستحق الثناء بالطبع. فمن هذا الذي يمكنه أن يجد أي عيب في هكذا مبادرة للقضاء على هذه الجريمة البشعة ضد الإنسانية؟

ولكن من المؤكد أن الطريقة الأكثر فاعلية لإنهاء الاغتصاب والعنف الجنسي في الحروب تكمن في إنهاء الحروب وصناعة الحروب في المقام الأول. بكلمات أخرى، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على إنهاء اغتصاب الأفراد، ما رأيكم بإنهاء اغتصاب بلدان بأكملها مع شعوبها، والذي ينجم عنه العديد من الجرائم ضد الإنسانية؟

فإذا بدأنا في النظر إلى المشكلة من هذا المنظور، فإن ذلك سيؤدي إلى الإضاءة المزعجة على سلوك حكومة هيغ نفسها وحكومات من سبقوه.

مناطق النزاع الرئيسة الراهنة في العالم هي أوكرانيا، وسوريا، والعراق، وأفغانستان، وليبيا. وفي كل حالة من هذه الحالات، لعبت الحكومة البريطانية – الحالية والسابقة – دوراً مركزياً في تأجيجها وإطالة أمدها. هذه ليست مسألة قابلة للنقاش والسفسطة. فدور بريطانيا المحوري في كل من هذه النزاعات موثق وقابل للبرهنة.

إن غزو بريطانيا واحتلالها غير القانونيين لأفغانستان والعراق، بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وقوات “الناتو”، قضية متعلقة بالسجلات. فلولا الغزو العسكري الذي قامت به بريطانيا وحلفاؤها الغربيون على أساس ذرائع ملفقة تتعلق ب “الحرب على الإرهاب” و “أسلحة الدمار الشامل”، لما كان هذان البلدان يواجهان كل هذه المعاناة الآن. الحروب المبنية على الذرائع الملفقة هي حروب عدوانية إجرامية. وأولئك الذين يقومون بتلك الحروب هم مجرمو حرب، تبعاً لمبادئ نورنبيرغ.

إن عودة العنف إلى العراق هذا الأسبوع واستيلاء متطرفي “الدولة افسلامية في العراق وسوريا” على المدن الشمالية الرئيسة، الموصل وتكريت، ليس سوى نتيجة مباشرة لإرث الحرب الإجرامية البريطانية في العراق. فقد تركت عشرة سنين من الاحتلال الأجنبي هذا البلد مدمراً نتيجة الطائفية والمؤسسات الحكومية الضعيفة. وبالأهمية نفسها، إن الحرب السرية العدوانية التي تؤججها بريطانيا ودول الناتو في سوريا المجاورة عملت على تعزيز المتطرفين ودعمهم، من أمثال “داعش”، وتشجيعهم على زعزعة الوضع العراقي. الحقيقة هي أنه ما كان ل “داعش” والمنظمات الجهادية شبه العسكرية الأخرى أن تتمتع بمثل هذه القوة المدمرة بدون الدعم المالي والعسكري السري الذي تتلقاه هذه المجموعات من بريطانيا، وفرنسا، وتركيا، وأعضاء آخرين في الناتو، بالإضافة إلى الأنظمة الملكية الخليجية المدعومة غربياً مثل السعودية وقطر.

ليبيا هي نموذج تمهيدي لما يحاول الناتو وحلفاؤه العرب تحقيقه في سوريا. تم تحويل هذا البلد شمال الأفريقي الغني بالنفط إلى دولة بلا قانون تسيطر عليها الميليشيات الجهادية التي تم دعمها بالقصف الجوي الذي نفذه الناتو وإمدادات الأسلحة السرية في سنة 2011. ومرة أخرى، لولا التدخل غير الشرعي والمدمر لبريطانيا وحلفائها في الناتو لما كانت الأزمة الحالية موجودة في ليبيا.

وأخيراً فإن النزاع المحتدم الآن والمعاناة المريعة للمدنيين في شرق أوكرانيا نتيجة طبيعية للتدخل الغربي في ذلك البلد. فبدون الدعم السري والعلني من الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاء أوروبيين آخرين، لما كان النظام الفاشستي في كييف قادراً على انتزاع السلطة في شهر شباط/فبراير من الحكومة المنتخبة. كما أن الهجوم العسكري المستمر الذي تشنه الطغمة العسكرية في كييف ضد المواطنين الروس في لوغانسك وسلافيانسك ومدن شرقية أخرى مدعوم بشكل مباشر من بريطانيا وقوى غربية أخرى، بمواردَ عسكرية ومالية ودبلوماسية.

يلعب الإعلام الغربي الرسمي دوراً حيوياً ومشبوهاً في جميع هذه النزاعات. فالسرود التي يروجون لها تعمل على تمويه العلاقة المباشرة والجلية بين الحكومات الغربية وساحات الحرب الرئيسة المذكورة أعلاه. كما أن هذا التشويه الإعلامي يساهم بدوره في إطالة أمد هذه النزاعات.

الحقيقة الوحشية هي أن الاغتصاب والعنف الجنسي يشكلان جريمة مرتبطة بالجريمة الكبرى التي تتمثل في الحرب. وهذه حقيقة ثابتة منذ القدم. فأينما تندلع الحرب، يتم ارتكاب جرائم الاغتصاب وجرائم عديدة أخرى ضد الإنسانية. ومن السذاجة أن يقترح وزير الخارجية البريطاني منع الاغتصاب في الحروب المستقبلية. وماذا أيضاً عن منع قصف وقتل المدنيين أيضاً؟

أو، ماذا عن منع الحرب نفسها؟ وماذا عن ملاحقة أولئك الذين يغتصبون بلداناً بأكملها من خلال الحروب، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، وعبر استخدام الوكلاء المرتزقة؟

إن السلوك الحربي الإجرامي لبريطانيا في أوكرانيا وسوريا والعراق وأفغانستان وليبيا يجعل من السيد هيغ مغتصباً. ليس هيغ فقط، بل أيضاً رئيس وزرائه ديفيد كاميرون وكافة أعضاء الحكومة البريطانية ، في الماضي والحاضر. وليس الحكومة البريطانية فقط. فهناك مغتصبون آخرون من أمثال أوباما و كيري و أولاند و فابيوس.

 

هنا يلعب أمثال آنجيلينا جولي دور البطولة. إذ يساهم البريق الهوليودي في خلق سرد تخييلي مكثف يعمل على تمويه الحقيقة الوحشية. إن كاريزما آنجيلينا جولي الطاغية ودعواتها العاطفية من أجل “إنهاء الاغتصاب” يعملان بمثابة ضوء مبهر يُعمي الجمهورَ العريض عن رؤية الارتباط الوثيق بين تدخلات الحكومات الغربية المدمرة، والحروب والجرائم ضد الإنسانية.

قال هيغ ما يلي عن مرافقته الهوليوودية خلال قمة لندن التي عقدت هذا الأسبوع: “ما تحتاجه هذه الحملة هو حكومات عالمية قوية، مثلنا، مع شبكة دبلوماسية قوية، وميزانية تنموية ضخمة من أجل التدخل والعمل الفعلي … لكنها تحتاج أيضاً إلى أشخاص يستمع الناس إليهم بطريقة مختلفة عن الحكومات ويتحدثون من منطق سلطتهم الشخصية، وآنجيلينا جولي تتمتع بهذه الشروط.” وأضاف هيغ إن هذه ستكون صيغة “جبارة” للسياسة الخارجية في المستقبل.

نفهم من هذا أن الحكومة البريطانية قد وجدت صيغة علاقات عامة جديدة تمكنها من الاستمرار في شن الحروب الإجرامية، والاستمرار في اغتصاب البلدان، والاستمرار في خلق الظروف الملائمة للعنف الجنسي ضد المدنيين – بينما تقوم بتجنيد ممثلة جميلة لإضفاء غطاء تجميلي على المرتكبين الفعليين لهذه الجرائم.

إذا أردنا تجهيز قائمة عالمية بأسماء المعتدين الجنسيين فيجب أن يكون هيغ وحلفاؤه الشاذون على رأس هذه القائمة.

 

http://www.strategic-culture.org/news/2014/06/15/mr-hague-how-about-ending-the-rape-of-whole-countries.html

تُرجم عن (“ستراتيجيك كلتشر فاونديشن”، 15 حزيران/يونيو 2014)

الجمل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: