عبد الباري عطوان:”حلف جديد” يتمحور حول مصر يستعد لإعلان الحرب على الإخوان وقطر وتركيا

لم يكن غريباً، أو مفاجئاً، أن يكون العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز أول المهنئين للرئيس عبد الفتاح السيسي، وإرسال رسالة طويلة له، وغير مسبوقة، يدعو فيها إلى عقد مؤتمر للمانحين يشترك فيه “أصدقاء مصر”، يضع “مشروع مارشال” اقتصادي لمساعدتها لتجاوز أزمتها الاقتصادية على غرار نظيره الأمريكي لإنقاذ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

فالعاهل السعودي كان “أول المهنئين” أيضاً للفريق أول السيسي وزير الدفاع في حينها بعد انقلابه الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، وفض اعتصام ميدان رابعة العدوية بالقوة بعد ذلك، ووضع حركة الاخوان المسلمين على قائمة الإرهاب واعتقل جميع قيادات الصف الأول والثاني والثالث فيها.

رسالة العاهل السعودي “خطة عمل”، بل “خريطة طريق”، لتكريس حكم الرئيس السيسي، وإزالة كل العقبات من طريقه، والتركيز على كيفية النهوض بالاقتصاد من خلال مشاريع ضخمة توفر الوظائف لأكثر من عشرين مليون مصري من العاطلين عن العمل معظمهم من الشباب تحت سن الخامسة والثلاثين.

وكان لافتاً في هذا الرسالة أيضاً تركيز العاهل السعودي على الشعب المصري ووصفه لثورته التي أطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك بأنها “فوضى الضياع” و”المصير الغامض”، و”حان وقت قطاف رؤوسها دون هوادة”، وحثه الرئيس السيسي على “التوكل على الله” وكبح جماح الخارجين على القانون “فالفتنة أشد من القتل”، وهذه دعوة صريحة لاستخدام سياسة القبضة الحديدية.

***

إنها رسالة تكريس سياسة “العصا والجزرة” تعد بالمساعدات التي توحي بضخ عشرات المليارات في الاقتصاد المصري، وتحرض على قطع رؤوس الفتنة والتعامل مع أصحابها دون أي رحمة أو شفقة.

التعامل بالشدة والحزم لم يقتصر على الذين يريدون الإخلال والعبث بأمن مصر مثلما جاء في الرسالة بكل وضوح، وإنما أيضاً مع الدول العربية التي “تتخاذل” عن تقديم الدعم المالي لمصر “خاصة إذا كانت قادرة”، في إشارة واضحة إلى دولة قطر، فالعاهل السعودي قال مهدداً بالحرف الواحد “ليعي كل منا أن من يتخاذل وهو قادر مقتدر، فإنه لا مكان له غداً بيننا”، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما ناشد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر (دعم حركة الاخوان) وقال “فمن يمس بها يعد مساساً بالاسلام والعروبة، وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة العربية السعودية وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه، أو النقاش حوله، تحت أي ظرف كان”.

إن هذه الرسالة لا تضع كل بيض المملكة العربية السعودية في سلة مصر والرئيس السيسي فقط، وإنما إعلان الحرب أيضاً على أعدائها، والعرب منهم على وجه الخصوص، الذين يدعمون أو يفكرون بدعم المعارضين للرئيس السيسي وحركة الإخوان المسلمين على وجه التحديد.

صحيح أن العاهل السعودي نصح الرئيس المصري الجديد بالتحلي بسعة الصدر عندما قال له “ليكن صدرك رحباً فسيحاً لتقبل الرأي الآخر مهما كان توجهه وفق حوار وطني مع كل فئة لم تلوث يدها بسفك الدماء وترهيب الآمنين”، ولا نعتقد أنه يحث على الحوار مع حركة الاخوان التي أصدر العاهل السعودي مرسوماً بوضعها على رأس قائمة الارهاب في بلاده، ويعتبرها “رأس البلاء”.

نحن الآن أمام حلف جديد يتبلور في المنطقة بزعامة المملكة العربية السعودية ومصر ويضم الإمارات والأردن والبحرين والكويت وربما المغرب أيضاً.

وما زال من غير الواضح، بالنسبة إلينا على الأقل، معرفة الجهة الأخرى التي تقف في المعسكر الآخر المواجه لهذا الحلف الاقليمي الجديد، ولكن نستطيع أن نتكهن بأنها تضم كل من تركيا وقطر وحركة الاخوان المسلمين وإخواتها، فقد كان لافتاً استدعاء الخارجية المصرية اليوم للسفير التركي في القاهرة للاحتجاج على انتقاد الحكومة التركية لسير العملية الانتخابية في مصر والتشكيك في نزاهتها، في مؤشر جديد على تدهور إضافي للعلاقات بين البلدين.

وفي الإطار نفسه لا توجد مؤشرات واضحة على استهداف ايران، ووضعها في خندق الأعداء للحلف الجيد، فقد كان لافتاً أيضاً توجيه الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور دعوة إلى الرئيس الايراني حسن روحاني لحضور حفل تنصيب الرئيس السيسي وإبراز أجهزة الإعلام المصرية لرسالة الدعوة هذه.

وما زال من غير الواضح أيضاً موقف هذا الحلف من سورية والرئيس السوري بشار الأسد الذي سيفوز بولاية ثالثة تبقيه في السلطة لسبع سنوات أخرى، فالرئيس السيسي لم يتناول الأوضاع السورية مطلقاً بالتلميح أو التصريح، ولمسنا موقفاً أكثر حيادية في الاعلام المصري الموالي له، ولكنه حياد يمكن وصفه “حياد ايجابي” بعض الشيء، انعكس تغييراً في موقف الجامعة العربية وأمينها العام، وتراجعاً عن منح مقعد سورية للمعارضة حتى الآن، ولقاء السيد نبيل فهمي وزير الخارجية بشخصيات مستقلة على تناقض مع الائتلاف الوطني السوري المعارض قبل اسبوعين في القاهرة.

ومع ذلك لا يمكن استبعاد حدوث تغيير في الموقف المصري تحت تأثير ضغط سعودي في الوقت نفسه، ومن السابق لأوانه التسرع وإطلاق أحكام قاطعة ، فالحذر مطلوب.

***

وما يجعلنا نطرح هذه النظرية المتعلقة بالملف السوري التأييد الكبير الذي يحظى به الرئيس السيسي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي سارع بالتهنئة بالسرعة نفسها مثل نظيره السعودي في خطوة تنطوي على الكثير من الإشارات والمعاني، فروسيا حليف وداعم أساسي للنظامين السوري والايراني، وعلاقاتها ليست جيدة مع تركيا وقطر والاخوان.

منطقة الشرق الأوسط تقف على أبواب مرحلة جديدة، أبرز معلمها صياغة تحالفات جديدة، انطلقت بعد كبت استمر ما يقرب العام، فور إعلان النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية المصرية، ففترة انتظار تتويج السيسي رسمياً انتهت وبدأت مسيرة العمل فوراً.

دعم مصر سيعني إعلان الحرب على الاخوان وداعميهم، وعلينا أن نتوقع تدخلات مباشرة في محاولة تغيير المعادلات على الأرض في ليبيا لمصلحة اللواء خليفة حفتر، وتعميق عزلة النظام في السودان، وربما إعادة إحياء أزمة مثلث حلايب، وتضييق الخناق بصورة أكبر على حركة “حماس” في قطاع غزة، وفرض عقوبات أشد على دولة قطر إذا ما استمرت في التمسك بموقفها الحالي ولم تطبق الشروط الواردة في “وثيقة الرياض” وأبرزها التخلي عن حركة الاخوان ولجم قناة “الجزيرة”.

هل ستكون الأمور ممهدة لنجاح هذا التحالف الجديد ومخططاته وأجنداته خاصة أنه يواجه قوى لديها أدواتها وداعميها ورجالها المسلحين على الأرض؟

الأيام والأشهر المقبلة ستحمل الإجابة الحاسمة سلباً أو إيجاباً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: