الداعشيين الذين هبطوا من المريخ والذين خرجوا من العقل العربي

الذين خرجوا من العقل العربي التتار الجدد

صحيفة الديار .. نبيه البرجي أخذنا علماً بأن الداعشيين هبطوا من المريخ. الكل، وفي هذه اللحظة، غسلوا أيديهم منهم، أحد أبناء الموصل قال إنه عندما شاهدهم ظن للوهلة الأولى أنهم خرجوا للتو من القبور. ربما للوهلة الثانية بات أكثر اقتناعاً بأنهم خرجوا من العقل العربي.

ولأنه موسم التخمينات الساذج، والتحليلات الساذجة (إذا كان لكم أن تعلموا كيف تحول بائع الخضار إلى محلل سياسي)، نسأل هل يمكن أن يحدث كل هذا في سوريا وفي العراق دون أن تكون هناك سيناريوات محددة من أجل تفكيك البلدين ربما وصولاً إلى بلدان أخرى في المشرق العربي إذا ما أخذنا بنظرية زئيف جابوتنسكي (1923) حول التفتيت البعيد المدى للمنطقة.

ولعل برنارد لويس كان أقل إيديولوجية في مقاربته للمشهد حين لاحظ أن المجتمعات العربية هي عبارة عن شظايا قبلية ومذهبية لا يمكن لتلك الأنظمة الهشة، ومهما بلغ صلفها، أن تستوعبها إلى ما لا نهاية. وعلى هذا الأساس تحدث عن نشوء دول أخرى في المنطقة، وربما تخوض في ما بينها حرب الألف عام. الآن، يبدو واضحاً أن حرب الألف عام بدأت. تسأل اين دور الله في هذه الحال ما دام قد وعد (أو توعد) بيوم القيامة؟

علينا أن نصدق بأن الأميركيين لا يعرفون كيف تم اختراع تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام، ومن أين يهطل عليهم المال، وأين هي معسكرات التدريب، وما هي هوية المستشارين العسكريين الذين يتولون وضع الخطط كما يشرفون، عملانياً، على التنفيذ.

لنتذكر أن وزارة الخزانة الأميركية لاحقت مغترباً لبنانياً في إحدى دول غرب إفريقيا لأنه أهدى صندوقاً من الأناناس لقريب له في «حزب الله». وحاولت الوزارة، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، أن تلصق به تهمة المساهمة في تمويل الحزب، أي أن الوزارة التي وضعت مشروع قانون أمام الكونغرس فقط لملاحقة «حزب الله» مالياً وبالطبع بسبب موقفه من اسرائيل لا أكثر ولا أقل، لا تدري من أين تتدفق الأموال على ذلك التنظيم الذي مضى بعيداً في أفغنة المنطقة العربية.

الأميركيون يعرفون، وبمنتهى الدقة، هوية المصادر المالية لـ «داعش» وكل ما يتعلق بالتفاصيل العسكرية، فما هي الغاية من إطلاق العنان له سوى إقامة دولة على انقضاض أجزاء من سوريا وعلى انقاض أجزاء من العراق، ليضمحل الدور الذي كان يمكن أن يلعبه هذان البلدان في المسار الجيوسياسي للمشرق العربي.

ودعونا نسأل، بالسذاجة إياها، لماذا اجتاح الداعشيون المناطق العربية فقط في العراق، ولم يقتربوا من أراضي كردستان، هل لأن البشماركة أقوياء الشكيمة ويستطيعون صدهم أم أن السيناريو يلحظ أموراً أخرى تتعلق بخارطة تقسيم هذا البلد الذي كان يمكن أن يصبح الفردوس المالي والتكنولوجي في هذه المتاهة التي تدعى الشرق الأوسط؟

لاحظنا كيف كان مقاتلو «داعش» يتحركون في فراغ. وحدات الجيش لاذت بالفرار، وكذلك عناصر الشرطة. والسبب عدم وجود دولة في العراق لأن قضية الساسة هناك تختزل بكلمات: من يرث صدام حسين؟

السلطة أكثر من أن تكون فاسدة. شيوخ الدين تحولوا إلى شيوخ قبائل. شخصيات باهتة وغالباً ما تكون استعراضية. هلهلة في مؤسسات وإدارات الدولة التي تحولت، وبكل معنى الكلمة، إلى مغارة علي بابا.

وأي معارضة تلك التي يحتضنها السلطان العثماني الذي يستضيف أيضاً «نجوم» المعارضة السورية (أين هم فعلاً؟). السلطان الذي يتعامل مع الأكراد في بلاده على أنهم رعايا من الدرجة الثالثة، وزعيمهم في أحد سجون مرمرة، تعامل مع إقليم كردستان العراقي على أنه دولة مستقلة، عقد الصفقات ووضع الجيش التركي تحت تصرف مسعود البرزاني إذا ما حاولت الحكومة المركزية (ويال ها من حكومة مركزية!) إعادة الشمال إلى الخارطة العراقية.

ماذا عن أجهزة الاستخبارات العربية التي تبعث بالآف السيارات المفخخة من أجل أن يبقى العراق هكذا لا دولة، بل عالة على المنطقة بالرغم من إمكاناته الهائلة ومن موقعه الجيوستراتيجي البالغ الحساسية، ودون أن تتمكن أجهزة الدولة من ضبط سيارة واحدة، من الموصل وكركوك وحتى البصرة وكربلاء. هل هذه دولة حقاً؟ هل سمعتم نوري المالكي وهو يتكلم؟ الكوميديا السوداء في أقصى حدودها. حديث عن تشكيل ألوية من الجيش الشعبي. أين الجيش وأين الشعب؟ وحين كانت الموصل تقع في أيدي المغول الجدد، كان البرلمان ينظر في الالتئام في اليوم التالي، وبدعوة من المالكي الذي يبدو أنه لم يكن على دارية بما يحدث في الأنبار وغير الأنبار حيث الجيش البائس ضاع بين فوضى الصحارى وفوضى القبائل. هل نعلن حقاً موت العراق؟ بل هل نسأل من قتل العراق؟ داعش على أبواب بغداد، وقد يصبح على أبواب البصرة، ودون أن تستطيع صده تلك القيادات السياسية والدينية الهشة والتي تتصارع في ما بينها بانتظار السيد هولاكو.

العرب الذين قتلوا العراق حين لم يتعاطوا معه على أنه الشقيق العليل الذي حطمته الحروب السيزيفية، بل نظروا إليه على أنه الفينيق الذي ينبغي تدميره وقد تحّول إلى حطام.

انظروا إلى خارطة «داعش» ودولة «داعش» بين سوريا والعراق. هل يكفي القول هؤلاء هم الأعراب؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: