عن المشنوق والمعارضة السورية والمشاركة في الحكم

الجمل ـ محمد صالح الفتيح: عندما ظهر، فجأة، أن الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة تمام سلام ستخرج من النفق، أخيراً، احتدم النقاش فوراً حول الوجوه التي ستشارك في تشكيل الحكومة. في البداية كان النقاش حول تسلم اللواء أشرف ريفي حقيبة الداخلية وعندما رفض تحالف 8 آذار اللبناني ذلك أثمر التفاوض عن تسلم ريفي لحقيبة العدل وتسلم نهاد المشنوق لحقيبة الداخلية. يومها كتبت محاولاً أن أشرح أنه لاداعي للقلق من وجود مثل هذه الوجوه في الحكومة اللبنانية. ومحاولتي هي اعتقاد بصواب ماقاله السيد حسن نصر الله أن هذه الحكومة هي أفضل الممكن؛ بل هي الشيء الوحيد الممكن والضروري مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي اللبناني الذي كان يتوقع أن ينتهي إلى حالة فراغ وبالتالي تم القبول بتشكيل الحكومة وفق الممكن. 
أعترف أنني أخطأت يومها عندما هونت من القلق حول مشاركة أشخاص مثل نهاد المشنوق وأشرف ريفي وغيرهم في تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة. يومها قلت بأنه في بلد مثل لبنان، وفي وضع حرج مثل الوضع اللبناني الداخلي والإقليمي والدولي، فإن هذا هو الخيار الوحيد الموجود ويصعب – أو يكاد يستحيل – الوصول إلى تشكيلة حكومية في لبنان لا يتم فيها زراعة مثل هذه المساطر. وأن أمثال هؤلاء لن يغيروا كثيراً في مسار الحكومة التي يوجد فيها من يعادل الكفة ويضمن عدم تحويل لبنان إلى رأس جسر للهجوم على سورية أو لتنفيذ مخططات إقليمية معينة.
أعترف أنني أخطأت وأخطأت كثيراً؛ فقرار المشنوق الأخير اعتبار مغادرة أي سوريّ للأراضي اللبنانية سبباً يؤدي لنزع صفة اللجوء عنه قد صدر بالفعل ويبدو أنه قد دخل حيز التطبيق فعلاً ولايبدو أن في لبنان كله من يستطيع منع مثل هذا القرار دون المخاطرة بتأزيم البلاد ودخول مرحلة جمود وفراغ رئاسي وحكومي وربما برلماني. فقرار المشنوق قد مضى ولم يظهر أي عمل يمنعه أو يصدر تعليق واحد رافض له أو حتى يتطرق له من قبل الكتل الأخرى في الحكومة اللبنانية. فجأةً ظهر وكأن وزيراً واحد قد احتجز الحكومة اللبنانية ونفذ الإرادة الغربية والإقليمية بإعاقة المشاركة بالانتخابات الرئاسية السورية. ربما، لو كانت توفرت معلومات مؤكدة عن المشاركة الجماهيرية الهائلة في الانتخابات المقامة في مبنى السفارة السورية في اليرزة لكان المشنوق، أو تياره على الأقل، قد اكتشفوا سبباً لمنع إقامة تلك الانتخابات من أصلها وذلك أيضاً لحماية الأمن الوطني اللبناني.
المشكلة التي يبرزها قرار المشنوق الأخير هو أن من يعمل بالتناغم مع تحالفات دولية أو إقليمية لن يتوقف عن فعل ذلك سواء أكان بقي معارضاً خارج المشاركة في الحكم أو أصبح مشاركاً في الحكومة سواء عبر ائتلاف أو عبر الاستئثار بالحكومة بالكامل. قرار المشنوق الأخير، والقرارات المقبلة سواء تلك التي ستصدر عنه أو عن زميله الوزير أشرف ريفي، تشير إلى أن المحاججة بضرورة مشاركة الخصم في الحكم قد تكون محاججة باطلة وضعيفة؛ فهي تعني، عملياً، الانتقال من تحت الدلف لتحت المزراب وقوننة تنفيذ الأجندات الخارجية تحت غطاء حماية المصالح الوطنية، كما قال المشنوق في شرح قراره. وعند وجود أمثال هؤلاء في الحكم، حتى لو عن طريق الشراكة، فإن النتيجة الطبيعية هي أن يصبح للعملاء جذور داخل المؤسسات ويصبح من الممكن تمرير القرارات المختلفة تحت التهديد بنقل البلاد إلى حالة استعصاء في كل مرة.

الطرقات في لبنان تغص بالمواطنين السوريين المتوجهين إلى السفارة السورية
عن “المشانيق” السوريين
إن الدافع الرئيسي لدراسة حالة المشنوق ومشاركة تيار المستقبل اللبناني في الحكومة هو للتحذير من حدوث شيء مشابه في سورية. فالحديث المتكرر عن الحوار والتفاوض مع ممثلي أطراف المعارضة السورية، سواء في الداخل أو الخارج، يعني بالضرورة أن احتمال وصول “مشنوق” سوري إلى منصب ما، بمرتبة وزير، أو أعلى أو أقل قليلاً، هو احتمال وارد جداً، وقد يكون مؤكد. وهذا يعني بالضرورة وجود احتمال أن يقوم هذا المعارض المشارك بالحكم بممارسة تصرفات “مشنوقيّة” وفي كل مرة سيكون الخيار المتاح هو إما القبول وتمرير هذا التصرف “المشنوقيّ” أو الرضوخ لابتزاز ما أو تقديم تعويض ما؛ وهذا طبعاً يعني تأجيل المحتم لا أكثر. بالمحصلة، وباختصار شديد، سيصبح لمنفذي الأجندات الخارجية في سورية جذور داخل مؤسسات الحكم.
قبل أن يحاجج البعض بأن مثل هذا السيناريو مشتائم جداً وفيه الكثير من التجني على المعارضين السوريين الوطنيين، أدعوكم إلى أن تتخيلوا معي أن شخصاً مثل هيثم المالح، على سبيل المثال، قد تولى وزارة العدل، فالرجل معارض ويحمل إجازة في الحقوق. إذا ظننتم أن مثال هيثم المالح مستبعد للغاية فما رأيكم بتولي حسن عبد العظيم لنفس المنصب، فهو معارض أيضاً ويحمل أيضاً إجازة في الحقوق. أو أن يتولى الأديب لؤي الحسين وزارة الثقافة فالرجل معارض وكان قد درس في قسم الفلسفة في جامعة دمشق، ويدير حالياً داراً للنشر ونقرأ يومياً كتاباته الفلسفية التي تنجح في كل مرة في إثارة اعجابنا وحيرتنا.. أو أن يتولى هيثم مناع وزارة لشؤون حقوق الإنسان يتم استحداثها خصيصاً له. (طبعاً، بسبب حرصي على سلامة عقول القراء فضلت أن لا أطلب منهم تخيل تسلم الجربا أو الغليون لوزارات سورية – إلا أنه يبدو أن الضرر قد وقع على كل الأحوال). وبعد أن يستلم هؤلاء هذه المناصب قد تقرأ في شريط الأخبار خبراً من قبيل “السفير الأمريكي روبرت فورد جونيور يزور الوزير حسن عبد العظيم في مكتبه في وزارة العدل والحديث يدور حول تطوير النظام القضائي السوري”.
التجربة اللبنانية تشير إلى أن مثل هذا التصور ليس بعيداً أبدًاً. والتمترس خلف الإنكار لايجدي أبداً. فالذي ينجح في تنفيذ المخططات الأمريكية لعقود وهو في المعارضة سيبلي بلاء منقطع النظير إذا ماوصل إلى كرسي المسؤولية. المذكور أعلاه لايهدف إلى الدعوة إلى رفض أي مشاركة في الحكومة السورية ولكنه، تحديداً، يهدف إلى إيضاح أن الانتقال من الحضن الأمريكي إلى حضن الوطن هو انتقال مستحيل الحصول ومن شارك في توفير البيئة المناسبة لماحصل في سورية لايمكن أن نتوقع منه سوى تلك التصرفات المشنوقية وتنفيذ المخططات الخارجية ولكن هذه المرة من داخل الحكومة وليس من صفوف المعارضة. هكذا يصبح الانتصار الكامل الذي لاتشوبه شائبة أو يلوثه دنس مشاركة خونة اليوم في حكومة الغد ضرورة ملحة وخياراً مصيرياً فلا فائدة في تنويم أزمة اليوم لكي تشتعل أقوى عشر مرات غداً بعد أن تمتد جذور الخونة عميقاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: