الملك وأبناؤه يوحّدون السلطة ويمزّقون العائلة المالكة!

محمد قستي

الصراع داخل العائلة المالكة ليس جديداً، وحدّته تتراوح بين الإسقاط والإبعاد، وربما حتى الحرب الأهلية النجدية، كما حدث في القرن التاسع عشر الميلادي.

نتذكّر عزل الملك سعود عام ١٩٦٤ ووفاته في المنفى اليوناني عام ١٩٦٨!

ونتذكّر قبل ذلك صراع سعود وفيصل ومنصور أبناء الملك المؤسس منذ الثلاثينيات الميلادية.

نتذكّر أزمة العرائف، وملحقاتها.

نتذكّر ابعاد فهد لأخويه ناصر وسعد.

ونتذكّر محاولات السديريين العديدة طيلة ثلاثة عقود تقريباً لإزاحة الملك الحالي عبدالله.

لكن من كل التجربة يظهر لنا أن الصراع في أسبابه يعود الى غياب آلية لنقل السلطة وراثياً، حيث يتم في كثير من الأحيان تجاوز عامل السنّ.

ويظهر ان الشدّة في الصراع إنما تكون في حال الإستئثار الشديد لطرف ما بالسلطة، كما هو الحال مع الملك سعود، الذي عيّن أبناءه كوزراء وأمراء، اضافة الى الإستئثار بالمال أيضاً، ما أدّى الى تكتّل بقية الإخوة وعزله. وحين جاء فيصل الى كرسي الملك، وزّع السلطة، وحاول الموازنة بين الأجنحة، وإن كان قصب السبق فيها للجناح السديري.

السديريون عددهم أكبر ما خفّف من وطأة الإستئثار، وإن كان طابع حكم الملك فهد استئثاريا لم يخلّف سوى الإمتعاض بين اخوته المهمّشين. لكن الملك فهد نفسه لم يستطع ـ رغم رغبته ـ تجريد كل اخوته من سلطاتهم.

الآن يأتي الملك عبدالله، الذي راهن عليه اخوته المهمّشون بأن يمنحهم بعض السلطة حتى قبل ان يتولى الحكم.

رهانهم كان خاطئاً جداً جداً.

فهو ليس فقط أحال أكثرهم الى التقاعد، بل واستأثر بالسلطة في عملية غير مسبوقة في تاريخ العائلة المالكة، لصالحه وأبنائه، وعبر تصفية منظّمة للجناح السديري، دون ان يعطي شيئاً للأجنحة المهمّشة.

إن سيطرة الملك عبدالله وأبنائه على السلطة لا تخلو من مخاطر. بالنظر الى أمرين: حجم الإستئثار وهو كبير جداً جداً؛ وأيضاً بالنظر الى أن الملك استعدى أكثر الأخوة والأجنحة، فالجميع متضرر من تسارع عملية الإستئثار ومباغتتها، والطريقة التي تمت بها.

قد تكون مركزية السلطة مفيدة لانتظام أمر دولة تتنازعها الرؤوس والأهواء والمصالح! وقد تخفّف ـ إن كان ما سيحدث في النهاية تعيين متعب بن عبد الله ملكا ـ من أزمة الوراثة، حينما تُحصر في أبناء الملك عبدالله، فتنتقل الوراثة من الأفقية ـ الأخ لأخيه ـ الى العمودية، أي من الأب لإبنه الأكبر.

آخر ما قام به الملك، هو تعيين ابنه تركي أميراً لمنطقة الرياض، حاضرة الحكم السعودي. وقبلها في ديسمبر الماضي، عيّن إبنه الآخر مشعل أميراً لمنطقة مكة، أي أنه سيطر على العاصمتين السياسية والدينية للبلاد، اضافة الى ما هو متوقع من سيطرة على العاصمة الإقتصادية في الشرق حيث الأحساء والقطيف، وحصر محمد بن نايف في الداخلية.

التعيينات الملكية الأخيرة أصابت معظم أجنحة العائلة المالكة بالإحباط والقلق البالغ. فقد تأكدوا أن الملك ماضٍ وبسرعة كبيرة باتجاه تغيير شكل السلطة واحتكارها.

آل الملك فيصل تمّ اضعافهم بإقالة تركي الفيصل كسفير في واشنطن وقبلها من جهاز الإستخبارات، ثم جرى إبعاد خالد الفيصل من إمارة مكة الى وزارة التعليم، والإمارة أهم بالطبع. والآن، يتوقع الإطاحة بسعود الفيصل كوزير للخارجية لصالح عبدالعزيز ابن الملك عبدالله، الذي يتولى منصب نائب وزير الخارجية.

جناح الملك سعود، كما جناح الملك خالد، لم يتبق لهما سوى منصب أمير الباحة للأول؛ وللثاني أمير منطقة عسير.

أما جناح الملك فهد فتمت تصفيته بشكل شبه كلّي: فقد عزل محمد بن فهد امير الشرقية، وعزل مؤخراً عبدالعزيز بن فهد كوزير دولة؛ وقبل ذلك تمّ عزل سلطان بن فهد رئيس رعاية الشباب، ولم يتبق سوى منصب نواف بن فيصل بن فهد في رعاية الشباب، وهناك إشاعة قوية تفيد بأن الملك عبدالله سيعيّن ابنه خالد رئيساً لرعاية الشباب، بعد ان ابعده منذ التسعينيات عن الحرس الوطني وأقحمه مؤخراً في عالم الرياضة!

جناح الأمير سلطان كُسرَ ظهره بإقالة الأخوين خالد بن سلطان من وزارة الدفاع، وبندر بن سلطان من الإستخبارات، ثم لحق بهما سلمان بن سلطان من وزارة الدفاع ايضاً، وبقي لدى هذا الجناح امارة منطقة تبوك (فهد بن سلطان)!

ابناء ولي العهد سلمان، يخشون أن يخسروا الوزارة وزارة الدفاع في حال وفاة والدهم، فالملك بموجب التعيينات الأخيرة، منعهم من السيطرة الكاملة عليها. ومن يدري، فقد تدمج وزارة الدفاع ووزارة الحرس الوطني تحت إمرة متعب بن عبدالله.

ابناء طلال كما أبيهم غاضبون بأنهم لم يحصلوا على شيء من كعكة السلطة؛ واخوة اخرون يتميّزون غيظاً: عبدالرحمن ـ نائب وزير الدفاع السابق مثلاً، او احمد وزير الداخلية السابق؛ أو غيرهم.

الجميع غاضب وخائف.

لا يبدو أن مخطط الملك عبدالله سيتوقف عن السيطرة على السلطة له ولأبنائه.

ولا يبدو ايضاً أن الصراع بين الأمراء والذي قفز الى السطح بقوة أواخر التسعينيات الميلادية الماضية واستمر الى الآن، سيبقى على مستواه؛ بمعنى ان الأمراء المهمشين الكُثُر لا يمكن بالقطع ضمان صمتهم، فهناك حدود لما يمكن للمال ان يشتريه، وبعض الأمراء ـ كالوليد بن طلال ـ صار طالباً للسلطة أكثر من كونه طالباً للمال! وإن كانت السلطة تجرّ المال.

فهل يستطيع الملك عبدالله وأبناؤه ـ وبالمال فقط ـ أن يتغلّبوا على المعارضة المتنامية من الأشقاء وأبناء العمومة؟ والى أيّ حدّ يمكن التعويل على القبضة الأمنية، إن نزَل الخلاف الى الشارع، وشقّ الموالين للنظام، خاصة في المحيط الاجتماعي للعائلة المالكة في نجد؟ خاصة وأن الملك ـ حتى الآن ـ لا يمتلك سوى ثلث القوة الأمنية الرادعة، اي الحرس الوطني، في حين ان وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ليستا بيده.

ايضاً، يجب التساؤل: الى أي حدّ يمكن ان يذهب الجسد الأكبر من العائلة المالكة والذي يعترض الآن فعلياً على سياسة الإستئثار بالسلطة من قبل الملك وأبنائه؟ هل بالكلام فقط، هل يقوم باستمالة المؤسسة الدينية الوهابية المنشقة على نفسها اليوم؟ هل يتم استخدام السلاح او على الأقل التلويح به؟ هل يغامر بشقّ الشارع عامة بين هذا التيار وذاك؟

كل الأمور متوقعة، فقد دخلت العائلة المالكة مرحلة الخطر، حيث تتعرض وحدتها للإنشطار، ما يُضعفها أمام الخارج وأمام الداخل الشعبي، بشكل سيكون الإنشقاق الحاد والعنيف ـ ان حدث ـ بأسوأ مما كان في عهد الملك سعود بكثير.

يستطيع الملك عبدالله ان يوحّد السلطة بيده وبيد أبنائه؛ ولكنه لا يستطيع وهو إذ يغوص في التغييرات المتسارعة في المناصب، أن يوحّد العائلة المالكة نفسها. فإذا انشقتّ الأخيرة، انشقّ المجتمع، خاصة في نجد، وانشقّت النُخب، وانشقّت المؤسسة الدينية، وانشقّ الجهاز العسكري/ الأمني.

الى الآن، فإن جدارة العائلة المالكة بالحكم تهبط بشكل مريع، بسبب الفشل في الإدارة والفساد والإثرة. فإذا ما أُضيف لذلك الصراع على السلطة، فإن النظام نفسه سيكون مهدداً بالتمزّق والنهاية. حينها لن تكون هناك: مملكة سعودية، بل ستعود الحدود الى ما كانت عليه عشية القرن العشرين الميلادي، إمارات مستقلة ترفض الهيمنة النجدية، والحكم الملكي، والأيديولوجيا الوهابية العنفية المتطرّفة.

بلا شك فإن الأمراء يدركون خطورة تمزّق العائلة المالكة على نحو حادّ. لكن هناك جهة او جهات ما داخل العائلة، يقع عليها الغرم، وهي مطالبة بالصمت منعاً للإنشقاق، فيما يرى المهمّشون بأن الملك عبدالله هو من يجب ان يعيد النظر في سياساته.

قال ابن خلدون بأن العصبة المتوافقة توصل الى المُلك بادئ ذي بدء؛ ثم يجري احتكار المُلك والغنيمة، فتتفرّق العصبة بسبب الإستئثار، بحيث لا يدافع أعضاء العُصبة كلهم عن المُلك، فينهار أمام أية عصبة أخرى!

الإستئثار عنوان احتضار السلطة سواء كان داخل جناح من العائلة المالكة، او في العائلة المالكة كلّها.

فقد تغيّر مفهوم الإستئثار، وما لم يكن للشعب كلمة، فإن الشعب قد لا يشارك في معارك تطاحن السلطة بين الأمراء، بل قد يغتنم الفرصة للتخلص من الحكم السعودي/ الوهابي/ النجدي برمّته.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: