حرب المصطلحات: هكذا يحارب “اعلاميون” مع الإرهاب

حرب المصطلحات: هكذا يحارب اعلاميون مع الإرهاب

خضر عواركة

يقول الامام ابو حامد الغزالي:
“من اعتمد الملافظ لنيل الحقيقة هلك”

يمثل الاعلام بالنسبة للدول الكبرى سلاحاً يعطي التفوق لمن يعرف كيفية الاستفادة القصوى منه. لهذا تتعامل وزارة الدفاع ووزارة الخارجية في الولايات المتحدة الاميركية مع الاعلام بوصفه جزءا من خططها الخمسية للعلاقات الخارجية وللديبلوماسية العامة وللحروب.

ويخصص الكونغرس والادراة الاميركية مبالغ هائلة لدراسات تتعلق بالاداء الاعلامي الاميركي في العالم الاسلامي (او المتعامل ضمنا مع الادارة الاميركية) بما يفرض على قادة ” سلاح الاعلام” الاميركيين تقديم ” كشف بحسن الأداء” الى مشغليهم في حرب الافكار لكسب العقول او لتدميرها.
في عالمنا العربي عامة وفي دول محور المقاومة خاصة لا يوجد مثل هذا التوجه ولا نملك مثل تلك القدرات البحثية والرقابية ولا يرتقي الاداء القيادي الى نفس المستوى الا بالتوفيق ” الالهي” .

ويمكن لنفس السلاح (اي الاعلام) ان يؤدي بحامله ” الجاهل” الى ان يطلق النار على رأسه لا على عدوه.

اغلب الاعلام ” الوطني” المعادي للتكفيريين في لبنان خاصة وفي العالم العربي عامة لا يقاتل الارهاب بل يقاتل معه، عن طيب نية، وعن قلة معرفة بما يسمى ” تخطيطا اخباريا” لحرب المصطلحات.

فكم من معد تلفزيوني وكم من مراسل صحفي مستعد للتضحية بفرصة ” سبق صحفي” لدراسة تأثير ذاك السبق على الارهابيين ايجابا فيتوقف عن نشره او عن بثه منعا للفائدة عنهم؟

وكم من مراسل صحفي في جرائد بيروت وبعض العواصم يتسابق لنقل ما تنشره حسابات قادة الارهابيين على تويتر او على فايسبوك بوصف كل منها كـ ” سبق صحفي” ؟
وكم من مراسل تلفزيوني صادق الارهابيين وعمل مروجا لهم لنيل رضاهم طمعا بأن يمنحوه موادا لفيلم وثائقي هنا او تقرير مصور هناك، حتى وإن كان لا يتضمن تحليلا ولا نقضا ولا ترويجا مضادا لترويجهم لانفسهم؟؟

وكم من قناة بثت ما يقوله الارهابيون للعامة دون تحليل يفضح نفاقهم؟

تبديل قناعات الرأي العام غاية الارهابيين

إن اصل الارهاب في عالمنا العربي هو ضياع وضوح الرؤية عند البعض والسيطرة على العقل عند بسطاء ينظرون الى كل متدين نظرة قداسة، ووسيلة التجنيد هي النشر بفروعه المرئية او المقروءة او المسموعة، والاخطر هو “الاعلام الالكتروني والمجتمعي” واكثرها تأثيرا هو ذاك المرتبط بالقداسة ” المسجدية ” وتأليه رجال الدين، و الذي يخرج من صفحات وحسابات الكترونية لرجال دين داعمين للإرهاب.
لكن ماذا عن اعوان الارهاب بالمجان في اعلامنا ممن يقدمونه الى الرأي العام بطريقة تجعله موضع اعجاب المتلقي، وموضع استلابه عقليا وعاطفيا بالتضليل والخداع.

الوجدان الباطني للشعب العربي عاطفي وضعيف امام المصطلح الديني، وبالتالي فان اي موضوع يتضمن مصطلحات قرآنية و دينية هو جذاب للاغلبية من العرب، وبناء على معرفة الارهابيين بهذا الامر فان من وسائل نجاحهم هو اتقانهم المحترف والعلمي لفن مخاطبة انفس وعقول العامة بما يستعطفهم ويقدم اليهم املا “بعودة مجيدة الى زمن خلافة او زمن جهاد”

الا يطلق اعلامنا على الارهابيين لقب ” جهاديين” وعلى زعماء الارهاب لقب ” امراء” ؟

هل يخلو تقرير مكتوب او مرئي في الاعلام اللبناني من هذه المصطلحات التي يحرص الكتّاب والمعدون والمقدمون على استخدامها وفي ظنهم ان الامر صائب مهنيا، في حين انهم لا يفعلون سوى انهم يخاطبون عقل المتلقي بما يساهم في جعل بعض من العامة نصيرا للارهاب، لا بوصفه ارهابا بل بوصفه يمثل “الاسلام” ويمثل “جهاديين يقاتلون طاعة لامر الله باقامة فريضة توصل الى خير الدنيا والاخرة ”

اخطر الكلام ان يكتبه من لا يعرف تأثيره

فسّر ارسطو خطر الكلام بقوله : ” إن الكذب جائز ان قامت به النخبة الارستقراطية لانها تمتلك من الفضيلة ما يجعلها لا تستخدمه الا للمصلحة العامة ”

والمشكلة ليست في ان كثير من الاعلاميين ” يكذبون ” و ليس كما قال ارسطو ” لمصلحة عامة ” بل لمصلحة الارهاب واغلب الظن أنهم يفعلون ذلك وهم غافلون.

هم يكذبون حين يطلقون على قتلة ومجرمين القابا اسلامية جميلة، وهم يكذبون حين يطلقون على افعال الارهابيين الخارجة عن المقبول دينيا اوصافا جذابة مثل ” الجهاد ” و ” الجهاديين”.

وهم يكذبون اذ يرددون كلاما يردده القتلة التكفيريين في عصرنا، في استغلال منهم لمقولات ومصطلحات قرآنية مثل كلمة ” نفر ” او ” جاهد ” او اطلاق تسمية ” الجبهة الاسلامية ” على جبهة تقتل المسلمين وتستغل اسم الاسلام لتروج لتدخل اميركي يغزو سورية او اطلسي غزا ليبيا.
إن الكثير من الكتاب والمراسلين والمقدمين يتحدثون في تقاريرهم عن ان فلانا (الارهابي او الزعيم الارهابي) ” عُين اميرا” على منطقة كذا بعدما ” نفر الى سورية للجهاد”

جيش يقاتل ضد نفسه

تصوروا جيشا في ميدان المعركة، ينشر قائده المشاة و الدبابات والكتائب المدفعية والصاروخية كل في مكانه المناسب، ويعلن حلول ساعة الصفر للهجوم على مواضع تمركز تنظيم ارهابي تكفيري للقضاء عليه. ثم وفي بداية المعركة يتوجه نصف تلك القوات ليقاتل مع الارهابيين لا ضدهم !
هذا بالضبط ما يحدث مع الاعلام اللبناني والعربي المقاوم والوطني، فمن خلال الاختيار السيئ والعشوائي للمصلطحات الاعلامية المستخدمة في التعامل مع قضية الارهاب، ومن خلال لجؤ بعض الوسائل الى ما تيسر من مراسلين يكتبون عن التنظيمات التكفيرية في سورية او في لبنان دون ان يكونوا من المختصين او ممن يملكون خبرة حقيقية في مجال فهم التأثير السيئ او الايجابي للمصلطحات الاعلامية. هؤلاء انما يساندون التكفيريين بما يجعلهم والوسائل الاعلامية التي يعملون لصالحها اسلحة اعلامية – نفسية بيد الارهاب لا ضده.

الاعلام الغربي يستخدم المصلطحات الاسلامية

التمثل بالاعلام الغربي واستعادة مصطلحاته في اعلامنا ليس امرا ينم عن الذكاء، فالتخطيط الاخباري لدى الغربيين عام، وحس المصلحة العامة لديهم كبير ومنتشر، ويلتزم الاعلاميين الغربيين بالترويج المطلوب منهم بشكل تلقائي، وان نبذنا التفكير بنظرية المؤامرة، فان المصلحة الوطنية بالنسبة الى الاعلاميين الغربيين هي ما تقرره وزارة الخارجية في بلدهم، وما تنصح به المراكز البحثية المختصة بالاعلام وبالسياسة الخارجية وبالعالم الاسلامي. لذا يلتزم اغلب الاعلام الغربي في تعامله مع قضايانا بما تنصح به الجهات الرسمية في بلادهم.
للغرب مصلحة في الخلط بين الاسلام والارهاب، لذا يحرص الاميركيون مثلا على تسمية القتلة بـ”الجهاديين”، فهل من مصلحة صحف ووسائل اعلامية تصف نفسها بـ ” نصيرة المقاومة” الترويج لما فيه مصلحة اميركية؟

هل استخدام مصطلحات معينة يساهم في انتشار الإرهاب وفي توسيع قاعدته الشعبية؟

إن مسؤولية المشرفين على وسائل الاعلام هي من الخطورة بمكان انها تماثل منصب قائد عمليات في وحدة قتالية، وبالتالي هل من المقبول ان يترك قائد مقاتل عناصر وحدته بلا توجيه وبلا اعداد وبلا تخطيط (وهو اخباري تحريري هنا)؟

في خطاب مفصل ألقاه في الثامن من يوليو/تموز 2008 أمام جمع من الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أعلن جيمس غلاسمان فخره بأنه القائد الأعلى في حرب الأفكار من الجانب الأميركي، إذ كان وقتها مسئولا عن قسم الديبلوماسية العامة في وزراءة الخارجية اي انه كان مسئولا عن القسم الذي يشرف على كل وسائل الاعلام الدعائية الممولة اميركيا في العالمين الاسلامي والعربي. وبإمكان ريتشارد ستنغل الذي يشغل نفس المنصب حاليا ان يتحدث بنفس الفخر وبنفس الكلمات.

ليس لدينا في لبنان ولا في دول المنطقة جهات متخصصة في التوجيه وفي رسم سياسة استراتيجية تجاه الارهاب على الصعيد الاعلامي، ولكن اليس بالامكان ان يضع كل مشرف على وسيلة اعلامية (وخاصة في طرف المقاومة في لبنان وفي طرف حلفائها في سورية والعراق على سبيل المثال لا الحصر) خطة اخبارية ترسم السياسة التحريرية للمراسلين والمقدمين مستفيدا من الدراسات المتوفرة عربيا وغربيا؟

إن العمل الفردي والمؤسساتي الخاص مطلوب، وفي غياب اي امل بسياسة اعلامية موحدة في لبنان ، فان الرهان على الدولة اللبنانية لإطلاق مؤسسة او مؤسسات بحثية تشكل مرجعية مهنية يعود اليها الاعلاميون للاخذ عنها فيما يجب وفيما لا يجب التعامل به اعلاميا مع قضايا التكفيريين، فانه من المناسب ان تبادر جهات قد يكون من بينها اطراف تمثل المدافعين عن تراب لبنان وعن حريته في مواجهة الخطرين الصهيوني والتكفيري، بتبني هكذا مؤسسات اهلية استشارية تحصن المقاومة في لبنان وتساهم في تأمين مرجعية تنصح وتوجه من يشاء ومن يرى في نفسه ” مقاوما ضد الارهاب ” بالاعلام.

ما يجعل الارهاب قويا ومنتشرا في العالم العربي ليس اسلحته ولا فنون القتال والارهاب التي يمارسها عناصره، وانما قوته تنبع من قدرته على تجنيد الانصار والمعاونين والمساندين، وقاعدته الشعبية اصبحت اكبر بكثير مما كانت عليه قبل عقود وهي في توسع لا في انكماش.
الاسباب معروفة، ولا يحتمل هذا المقال تعدادها وشرحها، و لكن من الواجب التذكير انه على رأس الاسباب التي ساعدت في انتشار الارهاب يقف الاعلام، واتقان الارهابيين لفن الترويج والتسويق الاعلامي الايجابي عن انفسهم، مع ان كل افعالهم سلبية واجرامية.

هل من المعقول ان المصطلحات الاعلامية تساهم في تنامي الارهاب؟

من أفضل ما يمكن قوله عن المصطلحات الاعلامية هو ما ورد في نص مقتبس جاء فيه:
” المصطلح الإعلامي هو الكلمة، أو الجملة المركّزة، المصنوعة، المنحوتة بدقة، لكي تعبّر عن حالة، أو موقف، أو قضية، أو حدث، أو منطقة جغرافية، أو فترة زمنية، أو فئة معينة، وذلك لإبراز حقيقة، أو طمس أخرى، أو كسب موقف دولي، أو إقليمي، أو تغيير اتجاهات وميول معينة، لدى شعب، أو أمة معينة، أو صناعة صورة نمطية، أو سلب إرادة الآخرين والسيطرة عليها، أو تكوين رأي عام، ويكون ذلك بما يتوافق مع مصالح صانع المصطلح ، كما إن المصطلحات المستخدمة في الخطاب الإعلامي لها دور كبير في بناء المفاهيم أو تغييرها، وفي كسب المواقف أو تبديلها، وهي قوة مؤثرة في صلب الخطاب الإعلامي، وتزداد أهمية هذا الدور في حالات الصراع وتضارب المصالح، وخاصة في المناطق غير المستقرة في العالم، أو التي تشهد نزاعات مسلحة، حيث تتنافس الأطراف ذات العلاقة بتصنيع ونحت المصطلحات الإعلامية، وتسويقها ونشرها، بحيث تعبر عن وجهة نظر صانع المصطلح، وتؤيد موقفه ضد الطرف الآخر”

ايها الاعلاميون، ايها الكتاب، ايها الصحفيون.

الارهاب ليس موضوعا للإثارة والنقل والتقليد، الإرهاب ادارة إجرامية لتدمير بلادنا فلا تساهموا بقتلنا وانتم تظنون انكم خير بنا فاعلون.

الديار

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: