كيف تستخدم واشنطن وسائط التواصل الاجتماعي لإسقاط الحكومات والتلاعب بالرأي العام


ستورم كلاود غاذرينغ – ترجمة: د. مالك سلمان:

إن المحاولة الأخيرة التي قامت بها الحكومة الأمريكية لإسقاط كوبا باستخدام وسائط التواصل الاجتماعي ليست سوى قمة جبل الجليد، لكن الأهم من ذلك هو علاقة ذلك بالأزمة الأوكرانية.

في 2 نيسان/إبريل نشرت “أسوشييتد بريس” تقريراً يكشف عن المحاولة الأخيرة التي قامت بها الحكومة الأمريكية لإسقاط الحكومة الكوبية مرة أخرى. وقد تجسدت المؤامرة هذه المرة في تأسيس شبكة تواصل تدعى “زون زونيو” لم تكن سوى نسخة بدائية من “تويتر”. تتكون الخطة، التي قامت بطبخها “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية” و وزارة الخارجية الأمريكية، من تشكيل مجموعة كبيرة من المستخدمين ومن ثم دفعهم إلى التمرد. وقد تم تشكيل الشبكة من خلال استخدام شركات تعمل كغطاء وتمويل يقدمه مصرف أجنبي لإخفاء علاقتها بواشنطن. وقد دافعت إدارة أوباما عن البرنامج قائلة إنها “أعلمت الكونغرس بهذه المبادرة”.

بالطبع كلنا نعرف أن محاولة الإطاحة بحكومة أجنبية شيء مقبول تماماً شريطة إعلام الكونغرس ببعض تفاصيل الخطة مقدماً.

على الرغم من أن هذه المعلومات ستكون صادمة وعبثية بالنسبة إلى الرأي العام، إلا أن هذه المعلومات، في حقيقة الأمر، لا تشكل إلا قمة الجبل الجليدي. إذ إن الحكومة الأمريكية وحلفاءها يستخدمون الإنترنت كسلاح سري منذ وقت لاباس به. تخرج معظم المعلومات عن هذه الأنشطة إلى الإعلام الرسمي، لكن الإعلام المؤسساتي يتجنب الإشارة إلى هذه المعلومات في سياق الأحداث الراهنة.

لذلك دعونا نضع بعض النقاط على الحروف هنا.

في سنة 2011 تبينَ أن الجيش الأمريكي قد طورَ برنامجاً لإنشاء وإدارة هويات مزيفة على الإنترنت. وكان من المقرر استخدام هذه الهويات المزيفة لنشر الدعاية على مواقع التواصل الاجتماعي، والمنتديات والمدوَنات الاجتماعية. وبواسطة هذا البرنامج، الذي تم وصفه على أنه “خدمة إدارة شخصية على الإنترنت”، يمكن لجندي واحد أن يتحكمَ بعشرة هويات منفصلة في كافة أنحاء العالم. وعندما تم الكشف عن هذا البرنامج، زعمت الحكومة الأمريكية أنه لم يتم استخدام البرنامج قط على الجمهور الناطق بالإنكليزية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء هم الأشخاص نفسهم الذين أقسموا أيماناً مغلظة بأن برنامج مراقبة “وكالة الأمن القومي” لم يستهدف المواطنين الأمريكيين، يمكننا أن نبتلع ذلك مع كمشة من الملح، ولكن من الأهمية بمكان أن نشير إلى أنهم اعترفوا علناً في بيانهم أن البرنامج كان مصمماً للعمليات السرية في بلدان أجنبية.

أظهرت وثيقة قام بتسريبها مؤخراً غلين غرينوولد أن “مقر قيادة الاتصالات الحكومية” البريطانية يدير برنامجاً مماثلاً عبر وحدة تسمى “مجموعة الأبحاث الاستخبارية حول التهديد المشترك”. …

تبعاً لهذه الوثائق، يعتمد “مقر القيادة” هذا على تكتيكين رئيسين: 1) حقن معلومات مزيفة في الإنترنت بهدف تدمير سمعة الأهداف المحددة؛ و 2) استخدام العلوم الاجتماعية وتقنيات أخرى للتلاعب بخطاب الإنترنت وأنشطته وتوجيههما نحو الأهداف المرغوبة.

من بين الطرق المروجة في الوثيقة: “عمليات مفبركة” (نشر معلومات على الإنترنت وعزوها، بشكل مزيف، إلى شخص آخر)؛ مواقع ضحايا مزيفة (يتظاهر فيها المستخدم بأنه ضحية للشخص الذين يريدون تدمير سمعته)؛ نشر “معلومات سلبية” على منابر متنوعة تشجع المستهدَفين على اللقاءات الجنسية من أجل تدمير سمعتهم (“الأفخاخ العسلية”)؛ إرسال الرسائل الإلكترونية والرسائل النصية للأصدقاء وأقارب وجيران وزملاء الشخص المستهدف؛ و “شن حملات الرسائل ودفعها إلى ’أوجها‘ “.

أكدت الوثائق بشكل خاص على استخدام تقنيات الإنترنت بهدف خلق الأحداث في العالم الواقعي.

والآن، تذكروا أن الشبكة الشبيهة ب “تويتر” المصممة لإسقاط كوبا قد تم تأسيسها من قبل “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية”. تعمل “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية” تحت غطاء المساعدات الإنسانية والترويج للديمقراطية، لكن فضيحة كوبا تؤكد ما يقوله العديد من المحللين الجيوسياسيين منذ سنوات طويلة: أن “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية”، على غرار شقيقتها “المنحة الوطنية من أجل الديمقراطية” [التي يعمل فيها المناضل الديمقراطي الشرس رضوان زيادة، لمن يذكر مقالاتنا المترجمة سابقاً – المترجم]، ليست سوى فرعاً من الفروع السرية المزيفة لجهاز الاستخبارات الأمريكية.

كما يفضح هذا التأكيد دور واشنطن في إسقاط الحكومة الأوكرانية في بداية هذا العام.

هل تذكرون فكتوريا نولاند، الدبلوماسية في وزارة الخارجية الأمريكية التي سُربَت مكالمتها الهاتفية التي تناقش فيها من يجب، ومن لا يجب، أن يُسمَح له بالانضمام إلى تشكيلة الحكومة الأوكرانية الجديدة؟

في شهر كانون الأول/ديسمبر من سنة 2013، ألقت فكتوريا نولاند هذه خطاباً في “المؤسسة الأمريكية – الأوكرانية” تحدثت فيه عن استثمار الولايات المتحدة لأكثر من 5 مليارات دولاراً في أوكرانيا منذ سنة 1991 بهدف تعزيز الديمقراطية.

كما ركزت بشكل خاص على الدور الهام الذي لعبته “المؤسسة الأمريكية – الأوكرانية” في تحقيق أهدافها.

لا تُجَرم هذه التصريحات نولاند إذا أخذناها كما هي، ولكن إذا ذهبتم إلى موقع “المؤسسة الأمريكية – الأوكرانية” فسوف تجدون أن برامجها تموَل وتدار من قبل وزارة الخارجية الأمريكية و “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية”. تذكروا أن هذه هي “الوكالة” نفسها التي تبينَ مؤخراً أنها تحاول إسقاط كوبا.

لا تنتهي ارتباطات “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية” بالانقلاب الأوكراني هنا.

حدث أن لاري داياموند، المنتج المنفذ لفيديو “أنا أوكراني” الذي ذاع صيته في ذروة الأزمة في كييف، ليس فقط عضواً في “هيئة العلاقات الخارجية” و “المنحة الوطنية من أجل الديمقراطية” ومستشاراً لوزارة الخارجية الأمريكية، لكن “بروفايله” العام يذكر أنه يعمل لصالح “الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية”.

هذا مثير للاهتمام. دعونا نقوم بربط بعض النقاط أيضاً.

هل تذكرون تلك الدراما في آذار/مارس حيث قامت ليز واهل بالاستقالة من “أخبار آر تي” على الهواء احتجاجاً على تغطية المحطة للأحداث في أوكرانيا؟ لقد خلق هذا الحدث بلبلة كبيرة، حتى بين النشطاء الميالين إلى انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية.

لقد تم ترتيب ذلك الحدث. كان مركز أبحاث تابع للمحافظين الجدد يدعى “مبادرة السياسة الخارجية” على علم مسبق بهذه المسرحية وشرع بإرسال تغريدات على “تويتر” قبل وقوع الحدث بعشرين دقيقة.

التغريدة الأولى: # هناك شائعات تقول إن شيئاً هاماً يمكن أن يحدث على قناة “آر تي” خلال 20-25 دقيقة.

ثم، قبل 10 دقائق من استقالة واهل على الهواء، جاءت التغريدة التالية: # تقول الشائعات إن عليكم أن تنتقلوا إلى قناة “آر تي” (رابط القناة) # هناك شيء هام يمكن أن يحدث.

وأخيراً، في الساعة 5:26 مساءً، في لحظة استقالة واهل، أطلقت “مبادرة السياسة الخارجية” الخبر على “تويتر”: “مذيعة آر تي تستقيل على الهواء. لا يمكنها ’أن تكون جزأ من شبكة تعمل على تبرير أفعال بوتين.‘”

هل تذكرون صديقتنا فكتوريا نولاند؟ حدث أن زوجها، روبرت كيغان، هو أحد أعظاء مجلس إدارة “مبادرة السياسة الخارجية”. يالها من مصادفة غريبة! منظمة يهيمن عليها زوج فكتوريا نولاند تشن حملة تشويه ضد قناة “آر تي” في الوقت الذي كانت “آر تي” إحدى المحطات القليلة التي بثت مكالمتها الهاتفية المسرَبة.

كما أن روبرت كيغان عضو في “مجلس سياسة العلاقات الخارجية” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، إضافة إلى أنه ساهم مع ويليم كريستول – وهو أيضاً عضو في مجلس إدارة “مبادرة السياسة الخارجية” – في تأسيس “مشروع القرن الأمريكي الجديد”. قوموا ببعض الأبحاث حول  “مشروع القرن الأمريكي الجديد” إن كنتم ترغبون فعلاً بالوقوع على معلومات وارتباطات هامة للغاية.

كل هذه مجرد مصادفات!

أنا واثق أنه من باب المصادفة أيضاً أن جيمز كيرتشيك، الذي صدف أنه عضو في “مبادرة السياسة الخارجية”، قد نشر مقابلة حصرية مع ليز واهل على موقع “ديلي بيست” بعد ساعة واحدة فقط من المسرحية المدبرة.

إن مسرحية ليز واهل هي مثال بسيط على استخدام وسائط التواصل الاجتماعي للتحكم بالرأي العام. ولكي نفهم بالفعل الطريقة التي يمكن فيها استغلال هذا النوع من العمليات النفسية علينا أن نعود إلى 20 شباط/فبراير عندما اشتهر شريط فيديو يظهر قناصة يطلقون النار على المحتجين في كييف.

اعتقد الجميع تقريباً أن هؤلاء الذين يطلقون الرصاص ينتمون إلى القوات الحكومية الأوكرانية، لكن هذا ليس صحيحاً. والبرهان على ذلك هو المكالمة الهاتفية التالية بين مديرة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثي آشتون ووزير خارجية إستونيا أورماس بايت، التي تم تسريبها إلى العلن في 5 آذار/مارس.

النسخة المختصرة للمكالمة المسرَبة:

أورماس بايت: “جميع الدلائل تبين أن الأشخاص الذين قتلوا على يد القناصين من كلا الطرفين، بين رجال الشرطة والناس في الشارع، أنهم كانوا نفس القناصين الذين يطلقون النار على الناس من الطرفين.”

كاثي آشتون: “في الحقيقة، هذا، أجل …”

أورماس بايت: “كما أرتني بعض الصور وقالت لي إنه طبيب، ويمكنها القول إنه نفس الخط …”

كاثي آشتون: أجل …”

أورماس بايت: “نفس نوع الطلقات … ومن المثير للقلق أن الائتلاف الجديد الآن، لا يريدون التحقيق في الأحداث التي جرت. ولذلك هناك الآن دلائل اقوى تشير إلى أن من يقف وراء القناصين ليس يانوكوفيتش، بل شخص ما من الائتلاف الجديد.”

النسخة الطويلة للمكالمة المسربة:

لا يحتاج الأمر إلى عالم في الصواريخ ليعرف أن الأطراف الوحيدة التي ستفيد من إطلاق النار على رجال الشرطة والمحتجين في الوقت نفسه هي تلك الأطراف التي كانت تعمل على إسقاط الحكومة الأوكرانية.

هذا جلي تماماً.

السؤال الحقيقي الوحيد هنا هو إن كان القتلة أنفسهم هم الذين قاموا بتصوير عمليات القتل ونشرها. لكننا لن نتأكد من ذلك إلا إذا حصل تحقيق فعلي، وليس من المقبول أن يشرف على مثل هذا التحقيق المشتبه بهم أنفسهم.

لقد رأينا نفس التكتيك في قتل المدنيين، واستخدام حملة وسائط التواصل الاجتماعي المنسقة بهدف إلقاء اللوم على الحكومة المستهدَفة، في سوريا في سنة 2013 [2011؟].

إن المتمردين المدعومين من الولايات المتحدة هم الذين قتلوا الآلاف من المدنيين الأبرياء بغاز الأعصاب. إن ممولي هذه الأعمال الوحشية لا يزالون طلقاء. إن منسقي عمليات القنص في كييف لا يزالون طلقاء، ولا تقوم وسائل الإعلام الرسمية ولا ما يسمون بقادة العالم بمجرد الإشارة إليهم.

فكروا في ذلك.

مجموعات الواجهة، المواقع الإلكترونية المزيفة، مسرحيات العلاقات العامة المدبرة، والجريمة المباشرة

. هكذا تقوم واشنطن وعملاؤها بإسقاط الحكومات والتحكم بالرأي العام في عصر الإنترنت، ولكن كونوا على ثقة أن هذا ليس شيئاً جديداً على الإطلاق.


تُرجم عن (“غلوبل ريسيرتش” 11 أيار/مايو 2014)

الجمل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: