كيف وأين يَتَحصّن المُسلّحون في جرود عرسال؟

ناجي س. البستاني – مقالات النشرة

مطلع نيسان الماضي، نفّذ الجيش اللبناني خطّة أمنيّة في البقاع الشمالي، وعزّز تواجده في عمق مدينة عرسال ومحيطها. لكن مئات المسلّحين الفارين من سوريا، والذين إرتفع عددهم بعد سقوط منطقة القلمون بكاملها، ما زالوا موزّعين على جرود عرسال مع كامل أسلحتهم. والإشتباك الأخير مع وحدة من الجيش اللبناني كشف أنّ المسألة الأمنية في المنطقة دقيقة جداً، باعتبار أنّه بمجرّد أنّ توغّلت وحدة من الجيش لمسافة أعمق من المعتاد في المنطقة الجردية المحيطة بعرسال، بحثاً عن مخابئ سيارات مسروقة ومُفخّخة، جُوبهت بنيران كثيفة جداً. فكيف وأين يتحصّن المسلّحون في جرود عرسال؟ وهل من عمليّة أمنّية شاملة ضدّهم في المستقبل القريب؟
بداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عدد المجموعات المسلّحة المتواجدة في جرود عرسال يُقدّر بالمئات، وبعض المصادر يتحدّث عن نحو 1500 إلى 2000 مقاتل بعد سقوط يبرود والقرى والبلدات المحيطة، أي آخر معاقل المعارضة السورية الأساسيّة والمهمّة في القلمون. وبالنسبة إلى الترسانة التي يملكونها، فهي عبارة عن أسلحة رشّاشة خفيفة ومتوسّطة، لا سيّما من عيار 12,7 ملم. ومن طراز PKC، وقاذفات RPG، ومدافع هاون قصيرة المدى، وبعض الصواريخ البدائية وغير الدقيقة التوجيه. وهم يستخدمون في تنقلاتهم، وإضافة إلى الدرّاجات النارية وبعض سيارات الدفع الرباعي، مجموعة من سيارات Pick Up، بعضها مُزوّد بأسلحة رشّاشة متوسّطة. كما أنّهم يملكون عدداً محدوداً جداً من مركبات Shilka المُجنزرة التي كان مستخدموها قد إنشقّوا عن الجيش السوري في مرحلة ماضية، والمزوّدة بسلاح مضاد للطيران رباعي الفوّهات  من عيار 23 ملم.
ويَستفيد المسلّحون في جرود عرسال، والذين يتوزّعون على جنسيات عربية مختلفة، إضافة إلى السوريّين منهم، من المساحة الجغرافية الضخمة للمنطقة التي تقع على سلسلة جبال لبنان الشرقيّة، وتشترك مع سوريا عبر خط حدودي بطول 50 كيلومتراً، علماً أنّ مساحة عرسال تبلغ نحو 317 كيلومتراً مربّعاً. وإضافة إلى المساحة الكبيرة، يتراوح إرتفاع تلال جرود عرسال ما بين 1400 و2000 متر عن سطح البحر، وهي تضمّ العديد من المغاور المنتشرة في منطقة جرديّة وعرة. وبالتالي، إنّ طبيعة المنطقة تسمح بتنفيذ إعتداءات من مسافات بعيدة، وبالهروب من الدوريّات، وبالإختباء، خاصة وأنّ عدداً كبيراً من المسلّحين يعرفون طبيعة المنطقة الوعرة عن ظهر قلب، باعتبار أنّهم كانوا أساساً من سكّان بلدات قريبة، أو من مهرّبي الممنوعات على أنواعها والذين يستخدمون المعابر غير الشرعيّة، ويمكنهم تحديد المسارات المناسبة للفرار ومواقع المغاور المناسبة جداً للإحتماء من أيّ قصف جويّ مثلاً. ويستطيع المسلّحون في جرود عرسال الإنقطاع عن المحيط لأيّام عدّة، كونهم بنوا مع الوقت بعض المراكز اللوجستيّة الصغيرة الحجم والمزوّدة بالمياه والطعام والمازوت وغيرها من المواد الضرورية لمواجهة أيّ حصار لمدّة محدودة، إضافة طبعاً إلى أنّ هذه المخابئ مزوّد بمعدّات وأعتدة عسكريّة مع ذخائرها.
بالنسبة إلى القوى الأمنية اللبنانية الرسمية، فهي تواجه مشكلة بُعد مسافة جرود عرسال عن مناطق إنتشارها، حيث تبعد عن زحلة، مركز محافظة البقاع نحو 75 كلم. وعن بعلبك، مركز القضاء، نحو 38 كلم. إضافة طبعاً إلى أنّ وسع المنطقة يستوجب أعداداً كبيرة من وحدات المشاة لتأمينها. كما أنّ كثافة عدد المسلّحين يجعل من غير الآمن التحرّك ضدّهم بمجموعات قتالية صغيرة. ولأنّه لا قرار حتى الساعة بتنفيذ عمليّة عسكرية شاملة للسيطرة على جرود عرسال، يكتفي الجيش اللبناني بتنفيذ الدوريّات، والمداهمات المدروسة بناء على معلومات إستخباريّة محدّدة، بالتزامن مع إستمراره بقطع منافذ توجّه هؤلاء المسلّحين إلى البلدات اللبنانية المجاورة عبر نشر مجموعة كبيرة من الحواجز الثابتة والمُتحرّكة. ويمكن القول في الختام، إنّ المشكلة في جرود عرسال هي نار تحت الرماد، لن يتمّ إطفاؤها كلياً في المستقبل القريب، تجنّباً لدفع كلفة بشريّة عالية في صفوف القوى الأمنية، لكن سيتم التضييق عليها بشكل متدرّج وتصاعدي في محاولة لحصر نطاق خطرها قدر المستطاع.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: