الحرب الباردة في سوريا وأوكرانيا والدور التركي فيها


الجمل ـ حسين وودينالي ـ ترجمها عن التركية محمد سلطان:

 
منطقة حظر طيران No fly zone:
نسي الجميع فضائح التسجيلات الصوتية المتعلقة بسوريا. ولكن عاد رئيس الوزراء ليذكرنا بها ليلة الانتخابات عندما قال: «نحن في حالة حرب مع سوريا». كما قال داود أوغلو في هذه التسجيلات أن “الشروط” ملائمة جداً من أجل أردوغان. ولكن لماذا قال ذلك؟
أبدى رئيس الوزراء صرامته لدى فوزه في الانتخابات بنسبة فاقت 44%. هذه الصرامة لم تأتِ بسبب حاجات السياسة الداخلية فقط, ولكن هناك حالة تزايد في الصرامة منذ البداية متعلقة بحالة هذا الزعيم نفسه.
كما تعرفون أن أوكرانيا انقسمت إلى قسمين بعد التدخل الأميركي في شؤونها، وبذلك بزغت بوادر الحرب الباردة مجدداً. أساساً هذا الشيء يظهر أنه لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تبقى دون أن يكون لها أعداء جدد. كان يجب أن يظهروا منظمة السيطرة (الناتو) أنها مشروعة ومنشغلة. عليهم أن يجدوا حججاً جديدةً من أجل مراقبة الحكومات الموالية للناتو.
في هذا العالم الجديد متعدد الأقطاب أظهرت روسيا التي هي على وشك التحول إلى قطب ضخم أنها جاهزة للتحدي. قام الزعيم الروسي فلاديمير بوتين, الداعم الأكبر للرئيس الأسد, بالسيطرة على شبه جزيرة القرم دون تردد.
عند القراءة الصحيحة لجملة التوترات في إيران, نرى أن الغاية الحقيقية للحرب في جورجيا عام 2008 كانت تكمن في محاولة إسرائيل بناء قاعدة عسكرية لها جنوب جورجيا لتستخدمها في حربها على إيران. كان الزعيم الجورجي ساكاشفيلي الموالي لأميركا على وشك أن يمنح إسرائيل وأميركا هذه الامتيازات بحجة أنه هناك هجوم على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ولكن سرعان ما دخلت روسيا على الخط وحطمت أجنحة جورجيا ومنعتها من القيام بهذا العمل.
الجميع كان ينتظر أن تشن إسرائيل هجوماً على إيران عام 2008 ومن ثم ستجر أميركا خلفها في هذا العدوان. ولكن هذا الشيء لم يحصل. كما كان عام 2008 الذي انتخب فيه أوباما رئيساً لأميركا هو العام ذاته الذي لعبت فيه حكومة 11 أيلول السرية بزعامة ديك تشيني وطاقمه آخر ألعابهم السياسية. أدى انتخاب أوباما إلى تراجع تنظيم (بوش-تشيني) ولكن بالنظر إلى المؤامرة التي حُضرت لسوريا والعملية المشتركة لأميركا وإسرائيل والسعودية نرى أن شبح هذا التنظيم ما زال يطوف غرف السياسة الخارجية في أميركا.
بالعودة إلى فضائح التسجيلات السورية، في هذه التسجيلات يوجد معلومات مهمة جداً ولكن أهمها على الإطلاق هو إقامة القوات المسلحة التركية وضباط أميركيون ميكانيكية إستشارية دائمة تحت اسم “تنسيق الأزمات”, ومطالبتهم بإقامة منطقة حظر طيران (no fly zone) في منطقة الشمال السوري. وهذا يدل على أن أميركا لا تريد التدخل التركي في سوريا عن طريق تنظيم القاعدة, بل تريد منها الهجوم المباشر عليها.
كان يجب أن تحصل حرب الخليج الأولى من أجل التمكن من إقامة منطقة حظر طيران في الشمال العراقي. بعد الاحتلال الأميركي للعراق, تولت “قوة المطرقة” التي تأسست في تلك الفترة في تركيا مهمة مراقبة هذا الحظر. لو لم يحصل ذلك لما تأسست منطقة ما تسمى بـ”برزانستان”.
أرادت الولايات المتحدة هذه الحرب لفتح ممر لكردستان البرزاني تمتد إلى البحر الأبيض المتوسط. لأن هذا الممر سيكون الأمل الوحيد لإبقاء كردستان قيد الحياة. ولكن أضحى تنظيم القاعدة عائقاً في سبيل إنشاء هذا الممر. مهما قيل أن هذه التسريبات جاءت من الداخل التركي ولكن أنا ما زلت مقتنعا أن مصدرها هو وكالة الأمن القومي الأميركي.
أرادت أميركا من تركيا الهجوم المباشر على سوريا وليس عن طريق تنظيم القاعدة, وإلا ستكون الأدلة كثيرة ضدها. من الممكن أن ترسل إدارة حزب العدالة والتنمية إلى المحاكمة بمحكمة الجنايات الدولية بحجة جرائم حرب دولية. هكذا يجب قراءة خطاب أردوغان ليلة انتخابات البلديات في تركيا عندما قال: «نحن في حالة حرب مع سوريا».
نستطيع من خلال هذه التسجيلات فهم أن قيادة الجيش التركي غير راغبة في دخول الحرب مع سوريا. وهذا الشيء منطقي جداً. لأن عواقب حرب كهذه ستكون وخيمة بالنسبة لجيش دولة مثل تركيا مهتزة من جميع الجهات.
بقي على روسيا قراءة هذه الأحداث, وقرأتها، بحسب خبر “صوت روسيا” أن روسيا أعطت سوريا منظومة S-300  معدل لنشرها في بلدة كسب على الحدود التركية. حتى أن إسرائيل عملت المستحيل لمنع وصول هذه المنظومة ولكن بحسب المعلومات أن المنظومة وصلت وتم نشرها.
استخدمت المراقبات والتسجيلات الصوتية كورقة في الحرب من أجل إقامة منطقة حظر طيران. لأنني أشك أن جماعة كولين هي امتداد لتنظيم تشيني وهي من يقف خلف هذه الأحداث. يجب أن نتناول تصريح منتريو الروسي الصارم الذي أدلت به ضمن هذا الإطار أيضاً.
أرسلت موسكو عن طريق البحر الأسود تهديداً لتركيا التي أريد لها أن تكون المخفر المتقدم لحلف الناتو. صرح سرجي لافروف أن الأسطول الأميركي الذي جاء بهدف التدخل في أوكرانيا تجاوز المهلة الأساسية, وبذلك طلب من تركيا احترام اتفاقية مونتريو. لأنه بحسب الاتفاقية يمنع على الدول التي لا تملك شاطئاً على البحر الأسود من البقاء ضمنه أكثر من 21 يوماً.
والآن دعونا نعود بالزمن إلى الخلف قليلاً. متى بدأ الهجوم على سوريا؟ بدأ عام 2011 وكان قد حضر له من قبل أميركا واسرائيل والسعودية مسبقاً. ثم شاركت قطر وتركيا والأردن في هذا الهجوم. لم تكن حرباً تقليديةً. يعني هذه الحرب لا تشبه نموذج حرب أفغانستان وحرب العراق في الحقبة الأولى من القرن العشرون, والتي كانت ليبيا آخر أمثلتها مؤخراً.
الهدف الدولي من هذه الحرب ليس إقامة ممر يمتد من برزانستان إلى البحر الأبيض المتوسط فقط كما أشرنا إليه, بل هناك هدف دولي أكبر من ذلك. نرى أن تنظيم تشيني فترة حكم جورج بوش ما زالت موجود حتى يومنا هذا.

إذا ما أصبح العالم بقطب واحد, على الأقل فليصبح ذو قطبين:
الجميع بات يعرف أن المصطلحات التي أطلقت في أنحاء العالم مثل “الدولة العظمى” و”النظام العالمي الجديد” و”نظام القطب الواحد” لن تتحقق بعد الآن أبداً. بطبيعة الحال تنظيم (بوش-تشيني) الفاشي رأى ذلك أيضاً. كان هناك هدف آخر من هذا الهجوم المبطن على سوريا: إنها روسيا.
كما تمت مضايقة الصين عن طريق الكوريتين وتايوان واليابان, كذلك تمت محاربة روسيا عن طريق أقوى حلفائها وأكثرهم تقليديةً في الشرق الأوسط وهي سوريا. الهدف ليس الدخول في حرب مباشرة مع روسيا, لأن هذا الأمر يعتبر جنون.
إن الرأس المال “النفطي والسلاح” الفاشي والمعروف بتنظيم Neo con في أميركا والممثل بتشيني ورامسفيلد بنوا سياسة الدولة, كما بعيد الحرب العالمية الثانية, على الحروب والتوترات للخروج من الأزمة الاقتصادية. كانت الفكرة هي إبقاء العدوين العملاقين روسيا والصين قيد الحياة. وزيادة سرعة وتيرة التسليح في العالم. وبالتالي سوف تدور عجلة الإقتصاد في العالم بسرعة أكبر. كذلك سوف تستبعد الديمقراطية والشفافية في السياسة على عكس مرحلة الحرب الباردة, ولن تعطى للشعوب فرصة مساءلة أنظمتها. وكانت سوف تقل نسبة البطالة, التي زادت بعض الشيء بسبب الجمود الاقتصادي, عن طريق الحروب.
استمرت فعاليات هذا التنظيم الفاشي خلال مرحلة رئاسة أوباما أيضاً. مهما حاول أوباما معارضتها ولكن هذا لم يكفِ.
نفس الطاقم الذي فشل في إشعال الحرب على سوريا (بسبب اتفاق أوباما مع روسيا في الجلوس على طاولة الحوار في جنيف), هذه المرة قرروا استخدام النازيين الجدد والاتجاه نحو أوكرانيا.
حسناً, الجميع يعرف مدى حساسية الوضع الأوكراني. وكان واضح أن روسيا من المستحيل أن تتخلى عن قاعدتها العسكرية في شبه جزيرة القرم. وكان معلوما أن مدن ومناطق شمالية مثل دونيتسك وهاركوف ذات غالبية سكان روس. أي أن هجوما عسكريا محتملا من قبل الناتو على أوكرانيا سوف يواجه بطبيعة الحال بردة فعل روسية عنيفة.
جميعكم يذكر خبر الصحفي الأميركي الشهير سيمور هرش عندما وصلته تسريبات صحفية حول المتورطين في استخدام الكيميائي في سوريا. كان الهدف الرئيسي من هذا الخبر ليس أردوغان بل هذا التنظيم السري. بحسب خبر هرش؛ «إن الأعمال الوسخة التي يلعبوها عن طريق تنظيم القاعدة مستخدمين تركيا وليبيا هدفها تبرئة أوباما». المذنب هم امتدادات تشيني في تركيا.
إذا لاحظتم أن موضوع استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة كان قد حضر له من أجل مناشدة الجيش الأميركي للتدخل في سوريا. ولكن لم يفلح هذا الترتيب. عرف أوباما بأن هذا الهجوم لم يشنه الأسد بل إرهابيوا تنظيم القاعدة, ولذلك قرر التوجه إلى جنيف بدلاً من العدوان وشن هجوم عسكري على سوريا.

تنظيم تشيني على قيد الحياة:
حاول وزير الخارجية الأميركي جون لتركيا التي أريد لها أن تكون المخفر المتقدم لحلف الناتو. ويعتبر كيري هو استمرار لتنظيم تشيني في مرحلة حكم أوباما.
إن السبب الرئيس للإقتتال الدائر بين الفئات السلفية الإرهابية المعارضة في سوريا مثل تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش هو التصدعات الحاصلة في أنظمة كلاً من أميركا واسرائيل.
بدأت خلال مرحلة جورج بوش عملية الضغط على الجيش النظامي ووحدات الدفاع ليبقوا في الماضي وتم التحول بدلاً منهم إلى وحدات خاصة مختصة بحرب العصابات. وهذا الأمر أدى إلى توتر بين تشيني والبنتاغون.
إن الفائدة من الجيوش الخاصة مثل عصابة بلاك ووتر المرتبطة بشكل مباشر مع تنظيم تشيني, وتنظيم القاعدة الإرهابي الذي تم تأسيسه خلال التحالف الأميركي الاسرائيلي السعودي أثناء الاحتلال الروسي لأفغانستان, هو إبقاء قطاع السلاح والطاقة قيد الحياة.
إن امتدادات تشيني في بنوك الاستثمارات الضخمة مثل كولد مان ساتشس وجي بي مورغان تشكل الممول الرأسمالي الأساسي لهذه الأحداث. أساساً هذا التشكيل ذو مبدأ؛ تجاوز مرحلة الأزمات الاقتصادية المرحلية في الرأسمالية عن طريق الحروب. أي أنها حلول يومية مؤقتة.
والآن بالنظر إلى اللوحة النهائية, لم نستغرب عندما نسمع بخبر إرسال جنود بلاك ووتر المأجورين إلى مدينة دونيتسك الواقعة تحت التأثير الروسي بسبب التمرد الحاصل فيها. تم استخدام هؤلاء في أميركا اللاتينية وأفريقيا قبل استخدامهم في العراق وأفغانستان. وحتى كانوا موجودين في تركيا أيضاً قبل إنقلاب 12 أيلول العسكري.
إن حادثة أوكرانيا هي عبارة عن عملية عسكرية أميركية بحتة. ويمكن تسميتها بعملية الناتو أيضاً. انظروا ماذا يقول الأمين العام لحلف الناتو راسموسن عندما هدد روسيا: «تدخلكم المفرط في أوكرانيا سوف يكون خطأً تاريخياً. اسحبوا وحداتكم التي نشرتموها على الحدود الأوكرانية فوراً». هذا إعلان مباشر عن بداية الحرب الباردة. وأقول عنها باردة لأنه توتر بين دول قوى نووية كبرى. والآن بالنظر إلى أطراف هذه الحرب الباردة يمكننا تحليل من وماذا استفاد من هذه الحرب.

من ربح ومن خسر؟
بداية خرجت الولايات المتحدة الأميركية رابحةً. لأنها أضافت العقوبات الروسية على إيران. أي أنها سوف تلغي القوانين التجارية التي لا تخدم مصلحتها. وستجد الفرصة من أجل لملمة جراح حلف الناتو والاتحاد الأوربي الآخذان بالتدهور شيئاً فشيئاً. كما سوف يطور قطاع صناعة السلاح الأميركي نفسه بسبب الإعلام الرائج في أميركا عن تطور وذكاء الأسلحة الروسية الجديدة.
من جهة أخرى تقربت روسيا من إيران أكثر بعد إستبعادها من قبل الاتحاد الأوربي. وبذلك بعثت روسيا برسائل واضحة بأنها سوف تقوم بدعم إيران في اجتماع قمة النووي المقبلة. وهنا حصلت روسيا على منطقة مهمة جداً مثل شبه جزيرة القرم. كما أنها سوف تعوض استبعادها من الاتحاد الأوربي عن طريق إيران وأفغانستان ودول آسيوية. وسوف تقوم روسيا بتقديم كل “القوة الضاربة” التي في يدها لبشار الأسد لإستخدامها ضد العدوان الموجه على بلاده.
هناك حديث عن مشاورات بين روسيا والصين, التي أحسن بخطر التهديد الأميركي, حول إخراج الدولار من التداول. لأننا لم نعد في القرن العشرين ولم تعد أميركا متزعمة العالم كما في ربحها للحرب العالمية الثانية.
ولكن هنا تركيا في ظل الحرب الباردة هذه أشبه بالأرنب الذي سلط عليه ضوء يراقبون تحركاته. وفضح أردوغان أكثر وأكثر بعد خبر هيرش عن علاقته الوطيدة مع القاعدة اتخذ موقفه إلى جانب أميركا في الموضوع السوري ولكن أراد أن ينعى بالزعيم العالمي ولذلك قام بإرسال إرهابيين إلى سوريا. هكذا يجب قراءة خبر استخدام الأراضي التركية في العدوان الكيميائي على الغوطة.
يحاول أردوغان أن يبقي علاقته قوية مع روسيا في ظل الحرب الباردة هذه. لأنه بات يتحول من قبل حلفائه إلى صدام حسين شيئاً فشيئاً. ولهذا السبب لم يتصل فيه أي زعيم غربي ويباركه لدى نجاحه في الانتخابات الأخيرة وليس بسبب إشاعات التزوير فقط.
على ما يبدو أنه بعد الحرب المبطنة في سوريا وأوكرانيا سوف تستمر الحرب الباردة في الخطوة القادمة في الموضوع الكردي في تركيا.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: