صواريخ «تاو» في سوريا: هل يمكنها كُسر التوازن فعلاً؟


بعد الهزائم المتتالية التي تكبدتها الفصائل المقاتلة على الأرض خلال الفترة الماضية، وبعد التراجع الأميركي عن استغلال حجة الكيميائي لمهاجمة سوريا، بدا أن من المستحيل وقف سلسلة هزائم المعارضة. هكذا كانت الصورة حتى دخلت صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إلى المعركة، واشتعل الإعلام بالترويج للأهمية النوعية لهذه الصواريخ. ما هي هذه الصواريخ؟ وما مغزى استخدامها من الناحية العسكرية التقنية وإدخالها في المعركة اليوم؟
محمد صالح الفتيح

بدأ تطوير صواريخ تاو المضادة للدروع (واسمها الكامل هو BGM-71 TOW) من قبل شركة هيوز الأميركية منتصف ستينيات القرن الماضي، ودخلت الخدمة لدى الجيش الأميركي للمرة الأولى عام 1970، وهي لا تزال في الخدمة في جيوش عدد من بلدان العالم مثل إسرائيل وتركيا والأردن والسعودية ودول الخليج ولبنان وإيران. وقد جرى تطوير أجيال عدة من هذه المنظومة التي تتميز بمدى يصل إلى حوالى 4 كم، وبرأس حربي يتراوح وزنه بين 3 و6 كغ يؤمن قدرة اختراق عالية للدروع، تتراوح بين 430 ملم من التدريع في الأجيال الأولى لهذه الصواريخ، وصولاً إلى أكثر من 900 ملم في الأجيال الأكثر حداثة.

وتعتمد هذه المنظومة على التوجيه السلكي شأنها شأن العديد من الصواريخ التي صممت وطورت. ويجري تركيبها غالباً على متن عربات مدرعة أو عربات دفع رباعي، كما يمكن استخدامها عبر منصات أرضية متحركة.

صواريخ «تاو» في سوريا

بتحليل مقطع الفيديو، العالي الدقة، لإحدى عمليات إعداد وإطلاق صاروخ «تاو»، والذي بثته قناة «العربية» في تقريرها عن دخول هذه الصواريخ إلى المعركة، يمكن ملاحظة النقاط التالية. تظهر الكتابة على جسم الصاروخ (الصورة) أنّ الجيل الدقيق للصاروخ الظاهر في المقطع هو BGM-71E-3B. هذا الرقم ليس للجيل الثالث الأحدث من هذا الصاروخ بل لصاروخ من الجيل الثاني القادر على اختراق تدريع سماكته 900 ملم. وتظهر الكتابة على جسم الصاروخ أنه جزء من الصفقة ذات الرقم DAAH01-90-C-0171، ورقم الصفقة هذا يظهر أنها موقعة عام 1990. هذه البيانات يتم كتابتها على جميع قطع السلاح حول العالم لأهداف كثيرة، من بينها معرفة الجهة المسؤولة عن قطعة السلاح المستخدمة. وتتبع الشركات الأميركية النمط نفسه في كتابة رقم الصفقة على معداتها. وبمراجعة موقع وزارة الدفاع الأميركية التي تذكر أرقام الصفقات التي توقّع، يتبيّ، أن الصاروخ المذكور هو من صفقة تعود إلى عام 1990، ولكنها لم تكن موقعة مع الجيش الأميركي الذي، امتثالاً لمتطلبات المراقبة والتدقيق الفيدرالية، يقوم بنشر جميع أرقام الصفقات التي يوقعها على موقعه الإلكتروني وعبر وسائل أخرى..
ما يؤكد أيضاً أنّ إنتاج هذا الصاروخ يعود إلى العام 1990 هو وجود اسم شركة «هيوز» الأميركية، علماً أن الوحدة المسؤولة عن إنتاج هذه الصواريخ في تلك الشركة تم شراؤها من قبل شركة «رايثيون» الأميركية عام 1997، وبالتالي كل الصواريخ المنتجة بعد ذلك العام تحمل اسم شركة «رايثيون» وليس اسم «هيوز». وكون الصاروخ من الجيل الثاني يشير إلى أنّ مصدر هذه الصواريخ هو غالباً إحدى الدول التي اشترت تلك المنظومة من الولايات المتحدة، والتي قد تكون تركيا أو الأردن أو إحدى دول الخليج، وجميعها تمتلك ذلك الجيل تحديداً، منذ أواخر الثمانينيات وأول التسعينيات.

هل يكسر «تاو» التوازن فعلاً؟

من الناحية العسكرية الفنية البحتة، صاروخ «تاو» ليس أول سلاح مضاد للدروع يستخدمه المسلحون على أرض سوريا. فقد استخدموا في السابق، وحتى الآن، صواريخ روسية المنشأ، مثل «مالوتكا» و«كونكورس» و«ميتيس» و«كورنت»، إضافة إلى صواريخ صينية المنشأ مثل صواريخ «السهم الأحمر» بأجيالها المختلفة (HJ-8 وHJ-9 وHJ-10). وجميع هذه الصواريخ شاركت في الحرب خلال العامين الأخيرين على أقل تقدير، وذلك موثق عن طريق مقاطع فيديو وبيانات عسكرية كثيرة. وقبيل معركة يبرود، عرض المقاتلون مقاطع فيديو تظهر حصولهم على صواريخ (قيل أن عددها وصل إلى مئة) «السهم الأحمر» الصينية من الجيل الأحدث (HJ-10) التي يصل مداها إلى 10 كم، أي أكثر بكثير من صواريخ «تاو»، ولكن هذا لم يحصن مدينة يبرود ويمنعها من السقوط خلال أقل من 48 ساعة.
معظم الصواريخ الروسية التي استخدمت في سوريا تؤمن قدرات اختراق دروع أكبر، وبمدى أكبر من صاروخ «تاو». فالصواريخ الروسية من طراز «كونكورس»، مثلاً، يصل مداها إلى 4 كم وتؤمن اختراق دروع سماكتها 600 ملم، وصواريخ «ميتيس» مداها 2 كم وباختراق 950 ملم. أما صواريخ «السهم الأحمر» الصينية فيتراوح مدى الأجيال المستخدمة منها في سوريا بين 3 كم و10 كم وبقدرات اختراق تتراوح بين 800 ملم و1200 ملم. وبعض هذه الصواريخ يتفوق أيضاً على صواريخ تاو من الناحية التشغيلية، فمنصاتها أصغر حجماً بكثير ويمكن لفرد واحد أن يحمل المنصة على ظهره ويتنقل بها مما يؤمن تنفيذ كمائن متحركة لا يمكن رصدها بسهولة. أما صاروخ «تاو» فهو ذو منصة كبيرة الحجم ثقيلة الوزن لا يمكن نقلها بسهولة. ومدى صواريخ الجيل الثاني التي ظهرت في سوريا هو 3.75 كم، أي أنها تقع ضمن مدى مدافع ورشاشات الدبابات والمدرعات السورية، إضافة إلى أن بطء الصاروخ، الذي يحتاج إلى 20 ثانية للوصول إلى هدفه، تسمح باتخاذ إجراءات مضادة واستهداف المنصة التي يجب أن تبقى موجودة طوال فترة الإطلاق للاستمرار بتوجيه الصاروخ.
هذه المقارنة بين المواصفات الفنية للصواريخ تظهر أن صاروخ «تاو» لا يشكّل حقيقة خرقاً عسكرياً أو كسراً للتوازن، فقدرته لا تتفوق أبداً على قدرة الصواريخ الأخرى المستخدمة منذ عامين. ولا يبدو أنه سيتوفر للمقاتلين بأعداد هائلة تفوق أعداد تلك الصواريخ، فالكلام اليوم يدور عن وجود حوالى 20 منظومة فقط منه. لكن من الناحية السياسية والاستراتيجية يبدو المشهد مختلفاً قليلاً. فالصاروخ ظهر حصرياً لدى مقاتلي حركة تنشط في إدلب وتعرف باسم «حركة حزم»، وهي غير معروفة في الحقيقة على نطاق واسع، وقد تم الإعلان عن إنشائها يوم 25 كانون الثاني 2014 في مقطع فيديو ظهر فيه اللواء المنشق سليم إدريس، وقيل فيه إن الحركة تهدف إلى «تصحيح مسار الثورة السورية والحفاظ على ثوابتها والوقوف في وجه كل من يحاول حرفها عن مسارها المتمثل بإسقاط النظام». أما مقطع اطلاق الصاروخ على يد أفراد الحركة فقد ظهر للمرة الأولى يوم 5 نيسان الجاري، ثم حذف لسبب غير معروف. وتمت إعادة تحميله يوم 15 نيسان، ولكنه هذه المرة حظي بتغطية إعلامية واسعة كما استجلب بياناً من وزارة الخارجية الروسية تشجب فيه الخطوة الأميركية باعتبارها تراجعاً عن المسعى للحل السياسي. ظهور هذا السلاح تحديداً في يد أفراد من حركة مغمورة حديثة الإنشاء، تعرف عن نفسها بكونها حركة إسلامية معتدلة تابعة لـ«رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش الحر»، يمكن تفسيره بأنه محاولة، ميدانية فعلية هذه المرة، لخلق كيان عسكري معتدل يشكل قطباً مضاداً للمقاتلين المتطرفين.
هنا سيكون ظهور هذا السلاح، الذي يحتاج مستخدمه لفترة تدريب طويلة نسبياً، في يد أفراد «حركة حزم» دافعاً للمقاتلين من الفصائل الأخرى للانضمام إليها. فهذه الحركة سينظر إليها أنها المشروع الأميركي الجديد على الأرض السورية، حتى وإن كانت لا تمتلك منطقة نفوذ خاصة بها.
يمثّل ظهور «التاو» بحوزة «حركة حزم» تغييراً لما اعتدنا على مشاهدته في سوريا، حيث كانت العادة أن تظهر نواة جماعة ما مسلحة بتسليح بدائي وغير نوعي، ثم تبدأ الصعود والتوسع مع الوقت، ومع تمكنها من السيطرة على مساحات ومواقع مهمة يتم مكافأتها بالتسليح والتمويل الخارجي. أما «حزم» فقد ولدت وهي مزودة بشكل نوعي، إذ أنّ سعر الصاروخ الواحد يصل إلى 30 ألف دولار أميركي، بالرغم من أنها لم تحقق أي انجاز عسكري بارز حتى الآن.
ختاماً، يجب النظر إلى وجود صاروخ «تاو» ليس فقط من ناحية عسكرية فنية بحتة، فهو لا يمثّل أي اختراق، ولكن كجزء من بداية مسعى أميركي جديد يشمل تدريب أفراد وتشكيل جماعات جديدة موالية لها. ويشمل هذا المسعى أيضاً تبديل القيادات أيضاً، كما ظهر في استبدال إدريس باللواء عبد الإله البشير. ويبدو أننا مقبلون على مرحلة جديدة من الصراع السوري، ستكون ساحته الجديدة المتجددة هي الشمال.
الاخبار

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: